الأربعاء 12 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمة النازحين في العراق »

نازحو مخيم الخازر.. بين زمهرير الشتاء ولهيب الأزمات السياسية

نازحو مخيم الخازر.. بين زمهرير الشتاء ولهيب الأزمات السياسية

قسم التقارير – نينوى

تحت خيام متهالكة لا تقي بردًا أو تمنع مطرًا، يُقاسي نازحو الموصل في مخيم الخازر مرارة العيش وظروف الحياة القاسية وبرد الشتاء. صدّق أو لا تصدّق فإن الـ250 دينارًا عراقيًا لها قيمة كبرى داخل المخيم، في حين أنها لا تُرضي أي طفلٍ يعيش حياة طبيعية في بيته بأي بقعة داخل العراق. علاوة على ذلك فإن الأزمة السياسية بين بغداد وأربيل فاقمت من معناة النازحين وتأثرت المساعدات الواصلة، ووقع النازحون ضحايا حرب وأزمات لم يكونوا سببًا في بدايتها، ولا يعلمون عن معاناتهم متى تحين نهايتها.

يقع مخيم الخازر في إقليم كردستان العراق، على بعد نحو 30 كيلومترا شرق مدينة الموصل، على المعبر الفاصل بين محافظتي أربيل ونينوى، والخازر هو في الأصل نهر يقع بين أربيل والموصل.

ويُعدُّ مخيم الخازر أحد أربعة مخيمات أقامتها الأمم المتحدة بالتعاون مع حكومة إقليم كردستان، وعدد من المنظمات الإنسانية إضافة لوزارة الهجرة العراقية لإيواء النازحين الفارّين من مناطق سكناهم، أيام بدء الحملة العسكرية لاستعادة مدينة الموصل من تنظيم الدولة.

شتاء لا يرحم

“أضافت الخلافات السياسية الأخيرة بين حكومتي المركز والإقليم إلى نازحي مخيم الخازر وغيره من المخيمات حملًا إلى حملهم وأثقالًا مع أثقالهم”

بحكم موقع المخيم شمال العراق حيث الجهة الأبرد في العراق شتاءً، فإن معاناة نازحي مخيم الخازر تتفاقم، لاسيما وأنه يقع في منطقة مفتوحة، فلا أشجار تحمي ولا أبنية تصدُّ رياحًا، مع قلة وسائل التدفئة، وإن وُجدت فالوقود شحيح، علاوة على ذلك فالنازحون يسكنون خِيامًا بالية مضى على بعضها العامان وهي تقاسي حرّ الصيف وتنازع برد الشتاء.

“الله ينتقم من كل من كان سببًا في وضعنا هذا الذي وصلنا إليه”، تقولها (أم زينب) بحرقة رافعةً رأسها، مفترشةً خيمتها، ومغطية نفسها وأبناءها بغطاءين مما حصلت عليه من المساعدات التي توزع في المخيم، وعن معاناة رحلتها حتى وصولها مخيم الخازر، تقول (أم زينب) لـ”وكالة يقين”: خرجنا من الجانب الأيمن للموصل نحن وأغلب أبناء حيّنا، رافعين راياتنا البيضاء، وأخذنا من بيوتنا ما استطعنا حمله، هرولنا باتجاه منطقة للقوات الحكومية، وأثناء عبورنا شارعًا أصابت زوجي رصاصة أردته قتيلًا في الحال، كانت نتيجة تبادل إطلاق النار بين القوات الحكومية وتنظيم الدولة، تتابع المرأة الموصلية ودموعها تغالبها وهي تتذكر ذلك الموقف: تمالكت نفسي ومسكت بِيَدَي وَلَدَيَّ (مهند وشيماء) وتركت زوجي على الأرض مغطىً بدمائه، وأسرعت خوفًا على أولادي وهربًا من إطلاق النار المتصاعد، حتى وصلنا نقطة للقوات الحكومية، وبعدها تنقّلنا من مكان لآخر إلى أن استقر بنا المقام في مخيم الخازر، وتضيف (أم زينب)، بسبب البرد؛ أصابت ولدي مهندًا (6 سنوات) نوبةُ إسهال لا تكاد تفارقه تسبَّبَ له على إثرها التهاب حاد في الأمعاء، ولا يستقيم حاله إلاّ على العلاج الشحيح أصلًا.

وقصة أم زينب ومعاناتها عيّنة بسيطة لما تعانيه العوائل الموصلية النازحة في مخيم الخازر.

ضحايا الحرب والخلافات السياسية

أضافت الخلافات السياسية الأخيرة بين حكومتي المركز والإقليم إلى نازحي مخيم الخازر وغيره من المخيمات حملًا إلى حملهم وأثقالًا مع أثقالهم، وذلك بعد إغلاق مطارات إقليم كردستان، الأمر الذي أثّر سلبًا على حركة المساعدات والمنظمات الإغاثية.

(رزكار عبيد) مدير مخيمات الخازر، وفي تصريحه لـ”وكالة يقين”، أكد أن الوضع في مخيمات الخازر أصبح صعبًا جدًا، وأثّرت عليه القرارات السياسية بشكل كبير، من خلال إغلاق الحكومة المركزية لمطارات إقليم كردستان بعد الأزمة الأخيرة بين بغداد وأربيل، حتى المنظمات الدولية قلّ وجودها في المخيم بشكل كبير بعد الأزمة السياسية الأخيرة، وقال عبيد: إن “أبرز ما يعاني منه مخيم الخازر اليوم هو شُح الأدوية والمستلزمات الطبية، فأغلب الأدوية والمستلزمات كانت تأتي عبر مطار أربيل، والآن قلّت بشكل كبير بعد إغلاقه، لاسيما الأدوية لمن لديه أمراض مزمنة من النازحين، كأمراض القلب والضغط والسكري”.

دور خجول لوزارة الهجرة

وعن المساعدات المقدمة حاليًا للنازحين ذَكَر (عبيد)، أنه تم توزيع بعض المستلزمات الشتائية للنازحين بالتعاون مع وزارة الهجرة العراقية ووزارة النفط، وتم توزيع مادة وقود النفط للعوائل، ومواد غذائية شهرية، إضافة للمساعدات المستمرة من قبل المنظمات الصغيرة وبعض الخيريّن، وأضاف، المشكلة أن الناس بحاجة لعمل، وبحاجة لمبلغ مادّي، لذلك طلبنا من الحكومة العراقية تخصيص مبلغ للعوائل النازحة في المخيم ولو 50 ألف دينار عراقي شهريًا؛ لتعين العائلة على سد الاحتياجات الأخرى غير الطعام والشراب، ولكن من دون استجابة وجدوى من قِبَل الحكومة ووزارة المهجرين، ولهذا لجأت بعض العوائل لبيع المواد التي توزع لهم من قبل المنظمات الإغاثية؛ للحصول على المال وسد احتياجاتهم الأخرى غير الطعام والشراب.

“يُفضّل نازحو الموصل في مخيم الخازر العودة لبيوتهم وبنائها طابوقة فوق أخرى، على المعيشة التي يصفونها بالمُذِلّة في مخيم الخازر”

وتابع مدير مخيمات الخازر: وزارة الهجرة والمهجرين العراقية دورها خجول جدًا في مخيمات الخازر، وكنّا نتوقع منها أن يكون دورها أكبر؛ باعتبارها حكومة وليس منظمة صغيرة، فمثلًا بالنسبة للخِيام فإن عمر الخيمة سنة واحدة تقريبًا، وقد غيّرت منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR جميع الخِيام التي أنشأتها بعد تعرضها للتلف بتقادم الزمن، في المقابل لم تُغيّر وزارة الهجرة والمهجرين الخِيام التي أنشأتها منذ سنتين تقريبًا وحتى الآن.

وعن إجبار بعض النازحين على العودة لمناطقهم وهي غير مؤهلة للعيش حتى الآن، وبيوتهم مدمّرة بفعل الحرب؛ نفى (عبيد) وجود أي إجبار للنازحين على ذلك، وبيّن أن المخيم هو محصّن ومحمي من قِبَل الأمم المتحدة، ولا يمكن لأحد أن يُجبر النازحين على العودة القسرية، وإنما تتم العودة باختيار النازح وأفراد عائلته، حيث خصصت إدارة المخيم يومين في الأسبوع لمراجعة وإكمال مستلزمات العودة، من خلال تقديم طلب العودة وملئ الاستمارة الخاصة لذلك.

ويقول مدير المخيمات: إن الخازر كان في بادئ الأمر خمسة مخيمات، ولكن بعد الأزمة الأخيرة بين بغداد وأربيل، اتخذنا قرارًا نحن إدارة المخيم بتقليصها إلى ثلاثة؛ لكي نسيطر ونحاول استيعاب الأعداد الموجودة وتلبية احتياجاتها، وأضاف، أن مخيمات الخازر يقطنها حاليًا قرابة 21 ألف شخص، بعد أن وصل في بعض إحصاءات التعداد السابقة إلى 180 ألف نازح، ولفت (عبيد) إلى أن الكثير من النازحين عادوا لمناطقهم المستعادة، خاصة سكان الجانب الأيسر من الموصل، أما سكان الجانب الأيمن؛ فلا يستطيعون العودة حتى الآن إما بسبب مساكنهم المهدّمة، أو أن القوات الأمنية تمنعهم من العودة.

مطالبات بالعودة ولا مجيب

يُفضّل نازحو الموصل في مخيم الخازر العودة لبيوتهم وبنائها طابوقة فوق أخرى، على المعيشة التي يصفونها بالمُذِلّة في مخيم الخازر، فهم موصليون محترمون، منهم الموظف ومنهم صاحب المهنة، ولكنّ ظروف الحرب ألجأتهم إلى ما وصلوا إليه من بؤس الحال، وهم ضحايا حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

“لم يكن في حسبان النازحين القاطنين في مخيم الخازر أن إقامتهم ستطول إلى أجل غير مسمّى”

وعن إعادة نازحي مخيم الخازر لمناطقهم، قال (حسن العلاّف) نائب محافظ نينوى لـ”وكالة يقين“: لا توجد حتى الآن خطوات حكومية جادّة لإعادتهم، والأسباب منها تعود إلى تهدّم بيوت النازحين، ولا يوجد مأوى يعودون إليه، وكذلك تأخّر ملف التعويضات لهذه العوائل التي تضررت بيوتها بفعل المعارك والعمليات العسكرية، إضافة إلى أسباب تتعلق بتلكؤ القوات الحكومية، حيث توجد بعض المناطق فيها قوات أمنية من حشد شعبي وقوات مشتركة أخرى، تمنع النازحين من العودة لحين ورود قرارات أمنية لعودتهم، مثل مناطق (البعّاج) و(تل عبطة) و(الحضر) و(تلعفر). إضافة إلى الإجراءات البطيئة والمتعثرة في إصدار التصاريح الأمنية، الأمر الذي يعيق ويؤخر إعادة النازحين، على الرغم من وجود لجنة مشكّلة وخاصة في تلعفر لتدقيق العائدين أمنيًا، ولكن هذه اللجان عملها بطيء ومتعثر.

ويتابع العلاّف، أمّا في الجانب الأيمن من الموصل فهناك تأخّر ملحوظ من قِبَل القوات الحكومية، ولاسيما الشرطة الاتحادية في تسهيل عودة النازحين لبيوتهم، فهناك 500 عائلة تريد العودة لمنازلها في المدينة القديمة، ولكن تمنعها القوات الأمنية لعدم اهتمامها بهذا الموضوع، وجعله على رأس أولوياتها.

نساءُ مخيم الخازر يُصارِعْن المعاناة

بعد أن فقدن الزوج والمعيل، ولمواجهة ظروف المعيشة الصعبة وحياة النزوح وقسوتها، لجأت نسوة مخيم الخازر لبعض الحرف والأعمال اليدوية لتوفير لقمة العيش لعوائلهنّ، كما رَويْن قصصهنّ لـ”وكالة يقين”.

(أم حميد) التي تُعيل 13 فردًا، تعمل خياطة في المخيم، معتمدة على ماكنة خياطة قديمة، حالها كبؤس حال المخيم، وتعمل في الخياطة بمبالغ زهيدة جدًا، وتأخذ غالبا على القطعة 250 أو 500 دينار عراقي،  وتضيف، أن أغلى وأكبر قطعة قماش تخيّطها أو ترمّمها تأخذ مقابلها ألف دينار عراقي فقط، فضلًا عن أن عينها اليسرى متعبة جدا، ويتطلب الأمر إحالتها إلى أحد مشافي أربيل لإجراء عملية لها، ولا مجيب لمطلبها رغم وجود التقارير الطبية لذلك.

في زاوية أخرى من زوايا مخيم الخازر تقف (أم نسرين) النازحة من الجانب الأيمن للموصل، لتُصارع نيران التنّور، متحدية وهجه الحارق، لمقارعة ظروف الحياة القاسية التي لا تقل قساوة عن نيران تنّورها، تعمل في صناعة الخبز لتعيل عائلتها، وتبيع كل 10 قرص خبز بـ250 دينار عراقي فقط. وتعدّ (أم نسرين) حالها أفضل من غيرها لكونها تملك تنّورًا حديديًا استطاعت بمساعدة أقاربها جلبه للمخيم، في حين لا تملك باقي العوائل سوى تنانير طينية، لا يمكن أن تعمل في بعض أيام الشتاء، علاوة على صعوبة جمع الحطب لها لإيقاد النار تحتها.

لم يكن في حسبان النازحين القاطنين في مخيم الخازر أن إقامتهم ستطول إلى أجل غير مسمّى، فهم لا يملكون حاليًا سوى الانتظار، والانتظار مستمر والمستقبل مجهول، وتبقى أنظارهم مشدودة ترنو إلى بيوتهم التي لا يعرفون متى ستُعمّر.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات