الإثنين 20 مايو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الأمية في العراق »

"ديالى": واقع تربوي "مزرٍ" ومدارس تحوّلت لـ "عشوائيات" ومكبّات نفايات

“ديالى”: واقع تربوي “مزرٍ” ومدارس تحوّلت لـ “عشوائيات” ومكبّات نفايات

قسم التقارير – دِيالى

لم تكن محافظة (دِيالى) بمنأىً عن الواقع التربوي الضعيف في عموم العراق من حيث عدم تجهيز الأبنية المدرسية بمستلزماتها الملائمة للعملية التربوية، أو نقص كادرها التدريسي، أو نقص مناهج التعليم، أو نقص الأبنية نفسها، إلاّ أن المشكلة في (دِيالى) مركّبة، فإضافةً لتلك المشاكل فقد نخر الفساد والإهمال الحكومي الواقع التربوي، وتحوّلت الكثير من أبنيتها المدرسية رُكامًا بعد أن كانت بناءً قائمًا، كيف حدث ذلك؟ هذا ما يناقشه تقريرنا.

سنوات مضت على الهدم من دون إعمار

لم يكن تهديم الأعداد الكبيرة من مدارس محافظة (دِيالى) بفعل عمليات عسكرية أو أعمال تخريبية، وإنما بقرار حكومي أسهم بنسبة كبيرة في تردي الواقع التربوي في المحافظة.

“دِيالى تعاني من نقص كبير في الأبنية المدرسية، والرَّحْلات في المدارس الموجودة فعليًا، مع الزخم الكبير في أعداد الطلبة”

ولمعرفة تفاصيل تلك القصة أجرت “وكالة يقين” حديثًا مطوّلًا مع رئيس لجنة التربية في مجلس محافظة (دِيالى) (أحمد رزوقي)، والذي أكد أن الوضع في (دِيالى) لا يختلف عن واقع باقي المحافظات؛ ولكنه أكثر سوءًا من خلال تهديم المدارس في المحافظة، حيث “تم تهديم أبنية 117 مدرسة موزعة في عموم مناطق المحافظة في زمن وزير التربية السابق محمد تميم، وكانت الحجة أن تلك المدارس لا يصلح معها التعمير ويجب هدمها تمامًا، وإعادة إعمارها وفق نظام البناء الجاهز الحديث، وقامت حينها وزارة التربية بإحالة المشروع -مشروع رقم 1 ورقم 2- إلى وزارة الإعمار والإسكان، والتي أحالتها بدورها إلى إحدى الشركات، والمفاجئ في الأمر أن تلك الشركة تسلّمت مقدمًا 60% من العقد المبرم معها، وباشرت بهدم تلك المدارس، لتتوقف بعدها وتُتْرَك المدارس على حالها منذ العام 2011، ولم تُعمّر حتى الآن، ونتيجة لإهمال تلك المدارس طيلة هذه السنوات تحولت أغلبها لمكبّات نفايات، وبعضها الآخر الذي لم يُهدّم بالكامل استولى عليه الأهالي واتخذوه مساكن عشوائية لهم” ويضف رزوقي، “قامت وزارة التربية بوضع حل خجول؛ وهو إنشاء كرفانات في ساحات تلك المدارس لتلبية حاجة الطلاب، ولكنّه كان حلًا لا يرتقي لمستوى المشكلة، حيث إن الكرفانات صغيرة ولا تستوعب أعداد الطلاب، فضلًا عن عدم مناسبتها للدراسة، وعدم تكييفها صيفًا أو تدفئتها شتاء، كما تم اللجوء لحل الدوام الثنائي والثلاثي بالجمع بين طلاب أكثر من مدرسة في مدرسة واحدة، وبأوقات دوام متفاوتة، ولكن كان هذا حلًا سلبيًا أيضًا أثّر على سير العملية التعليمية، حيث تتضارب أوقات الدوام واستُقطعت الكثير من أوقات الحصص، وأُربكت العملية التربوية بطلابها وكوادرها”.

فسادٌ يهدم المدارس

“تعاني بعض مناطق دِيالى -لاسيما التي شهدت عمليات عسكرية- شُحًا في الملاكات التدريسية، ترجع أسبابها إلى الوضع الأمني المتردي”

وللوقوف على حقيقة تهديم تلك المدارس وعدم صلاحيتها، قال رئيس لجنة التربية في حديثه للوكالة: شكّلنا لجنة في العام 2013، وأجرينا فحصًا ميدانيًا على تلك المدارس التي شملها قرار التهديم سيء الصيت، وقيل: إنها آيلة للسقوط، فوجئنا لدى بحثنا أن الكثير من تلك المدارس كان حالها جيدًا ويصلح لعشرات السنين القادمة، وأن وضعها العمراني كان أفضل حتى من مدارس أخرى حدث فيها دوام ثنائي أو ثلاثي، وكانت هي أولى بالهدم والتعمير. ويعزو (أحمد رزوقي) ذلك إلى الفساد والرغبة في نهب الأموال من تلك المشاريع، إضافة إلى القرار الحكومي الخاطئ من قبل وزارَتَي التربية والإعمار والإسكان، ويضيف: جمعنا أكبر قدر من المعلومات والأدلة الموثقة بالصور عن أوضاع تلك المدارس، وبعد جهد جهيد استطعنا إحالة الملفات من قبل مجلس المحافظة إلى لجنة النزاهة النيابية قسم التحقيقات؛ للوقوف على ملابسات الأمر ومحاسبة الجهة المقصرة، ونحن الآن بانتظار قرار اللجنة بخصوص المشروع رقم 1 ورقم 2 بخصوص 179 مدرسة من مدارس المحافظة، (117 مدرسة هدمت بالكامل و26 مدرسة إعادة ترميم وتعمير).

على الأرض يدرُسون

“قرابة 200 مدرسة آيلة للسقوط في محافظة ديالى، و 25 مدرسة طينية، ونحو 70 مدرسة دُمرت أو تضررت”

ليست مشكلة الأبنية المدرسية هي الوحيدة في (دِيالى)، فالمحافظة تعاني نقصًا حادًا في مستلزمات العملية التدريسية والمعدات المدرسية أيضًا، وفي هذا الصدد قال عضو مجلس (دِيالى) (كريم الجبوري) في تصريح له: (دِيالى) تعاني من نقص كبير في الأبنية المدرسية، والرَّحْلات -مقاعد الجلوس- في المدارس الموجودة فعليًا، مع الزخم الكبير في أعداد الطلبة ، مؤكدًا أن مئات الطلبة يتلقّون الدروس وهم جالسون على الأرض لعدم وجود مقاعد كافية، مؤكدًا أن “بقاء الأمور على حالها يجعلنا أمام تحديات تزيد من احتمالية وقوع كارثة خطيرة خلال الأعوام الدراسية المقبلة”، مُحمّلًا وزارة التربية المسؤولية الكاملة عن تردي الواقع التربوي في محافظة (دِيالى)، وما ستواجهه المحافظة بالقريب العاجل، مطالبا بضرورة دعم مدارس (دِيالى) بالرَّحْلات المدرسية، وأبنية جديدة لسدّ النقص الحاصل فيها، ودرء مخاطر كارثة تلوح في الأفق.

“ربيع” الطالب في الصف الثالث المتوسط في إحدى مدارس ديالى، يتأسف وهو يتحدث لـ”وكالة يقين” عن حال مدرسته التي تَهَدَّم جزء كبير منها، على أمل إعادة إنشائه، ويقول: مضى علينا سنوات ونحن نداوم في الجزء غير المهدم من المدرسة، وهو لا يكفي لأعداد الطلبة، فصفوفنا مكتظة، وقد يصل عدد الطلبة في الصف الواحد إلى 65 طالبًا، بينما كنّا في الوضع الطبيعي 35 – 40 طالبًا، وأصبح يجلس ثلاثة طلبة على الرحلة الواحدة، ونحن متضايقون من هذا الأمر، الذي لم يؤثر علينا طلبةً فحسب؛ وإنما على الأساتذة أيضًا وأدائهم داخل الدرس، حتى لجأ بعض الطلبة -عندما يكون الحضور كاملًا- للجلوس على الأرض وبين الرحلات لكتابة الدرس.

أمّا “فهد” طالب الخامس الإعدادي في المدرسة ذاتها؛ فقال في حديثه للوكالة: إذا قضيت عامي الحالي كسابقه من الأعوام؛ فلا أدري كيف سأقضي عامي القادم وأنا مقبل على السادس الإعدادي، وما تتطلبه مني تلك المرحلة من جهد وتركيز؛ للحصول على معدل يؤهلني لكلية اللغات التي أحبها، وأحب أن أتخصص في اللغة الإنجليزية، فإذا لم يوضع حل مناسب لحال مدرستنا، وحل مشكلة الدوام فيها فسيكون الأمر صعبًا وشاقًا، ولا أدري كيف سأتصرف ساعتها.

قلة في الكوادر التدريسية وسوء توزيع

تعاني بعض مناطق (دِيالى) وأقضيتها -لاسيما التي شهدت عمليات عسكرية- شُحًا في الملاكات التدريسية، ترجع أسبابها إلى الوضع الأمني المتردي الذي عانت منه تلك المناطق، ما حدا بـشريحة المعلمين هجرتها، والتنسيب إلى المناطق الأكثر أمنًا التي استقروا فيها.

ولأنّ المعلمين هم من أبناء تلك المناطق التي عانت من عمليات عسكرية، كما يقول (محمد الجبوري) نقيب معلمي (دِيالى) في تصريحه لـ”وكالة يقين“؛ فإنه لا حلّ إلاّ برجوعهم لمناطقهم، ولكنّ هذا الأمر صعب حاليًا لعدم تأهيل تلك المدارس، ولتخوّف المعلمين حالهم حال غيرهم من وجود بقايا مسلحين أو ما شابه.

“مشكلة الواقع التربوي في محافظة (دِيالى) موغلة في التعقيد أو تعمُّد عدم الحل”

أما عن المناطق الأخرى المستقرة من المحافظة، فأكد الجبوري وجود سوء توزيع للملاكات التدريسية فيها، فمثلًا يتكدس المعلمون في مدارس دون غيرها، لأسباب مختلفة يرجع أبرزها إلى سوء الإدارة والمحاباة، وأضاف، أن موضوع الاستقطاعات من الرواتب بحجة أنها تذهب للحشد الشعبي والنازحين أثّر بشكل كبير على تفاعل الكادر التدريسي في المحافظة.

ومن أكثر مناطق (دِيالى) معاناةً في نقص الكوادر التدريسية هي ناحية (العْظِيم) شمالي المحافظة، وفي تصريح لرئيس مجلسها المحلّي (محمد العبيدي) أكد فيه تعليق الدوام في بعض مدارس الناحية لأكثر من مرة بسبب شُح الكوادر التدريسية، بالرغم من اقترابنا من نصف العام الدراسي، وأوضح العبيدي أن “الدوام الرسمي لا يزال متلكئًا في أربعة مدارس بقرى الناحية بسبب عدم وفرة الكوادر التدريسية، وتضم قرابة الألف طالب جميعهم مهددون بالأمية، لأن معظم الطلبة هم من النازحين الذين عادوا مؤخرًا لناحية (العْظِيم)، وأن طيلة ثلاثة أعوام دراسية قضوها في النزوح حُرِموا فيها من التعليم، وسيُحرمون هذا العام في حال استمرار الوضع على ما هو عليه”, وطالب العبيدي الحكومتين المحلية والمركزية ووزارة التربية بـ”ضرورة التدخل الفوري، وإنصاف ناحية العْظِيم بالكوادر التربوية للنهوض بالواقع التعليمي المتردي الذي يهدد مستقبل آلاف الطلبة”.

(دِيالى) بحاجة لثورة تربوية

ويؤكد مسؤولون في (دِيالى) أن المحافظة بحاجة إلى ثورة تربوية للنهوض بواقعها التعليمي، وردم الهوة التربوية التي عانت الكثير بسبب قرارات حكومية خاطئة قبل أن تكون بأفعال خارجية أو تخريبية.

وبحسب إحصائيات لمجلس محافظة (دِيالى)؛ فإن قرابة 200 مدرسة آيلة للسقوط في المحافظة، و 25 مدرسة طينية، ونحو 70 مدرسة دُمرت أو تضررت أجزاء كبيرة منها بسبب أحداث العنف والعمليات العسكرية التي شهدتها المحافظة بين 2005 – 2007 ولم تُعمّر حتى الآن، مشيرين إلى أن (دِيالى) بحاجة إلى إنشاء 750 مدرسة على أقل تقدير لفك الاختناقات في الدوام الرسمي.

ما يتخوّف المسؤولون من ذِكره

ليست الأسباب التي ذُكرت فحسب هي وحدها أدت إلى انهيار الواقع التعليمي في محافظة (دِيالى)، فهناك سبب أسوأ لم يجرؤ مسؤولو المحافظة عن التصريح به، وهو تغوّل الميليشيات المسلحة وسيطرتها على جميع المفاصل في مناطق حيوية بالمحافظة، فقضاء (المُقْدادِيَّة) الأهم في (دِيالى) هو في “قبضة الميليشيات” كما عبّر بذلك المدرّس (م.ف) في تصريحه لـ”وكالة يقين” والذي فضّل عدم ذكر اسمه الصريح خوفًا من ملاحقته من قبل تلك الميليشيات المتنفذة على الرغم من تركه لقضاء (المُقْدادِيَّة) منذ نحو سنة ونصف، ويحكي (م.ف) قصته للوكالة: كنتُ مدرّسًا في إحدى المدارس المتوسطة بقضاء (المُقْدادِيَّة)، ولخلاف بسيط مع أحد الطلبة بشأن درجة امتحانية، هدّدني بالقول وباللهجة العاميّة “إنته مو زين سُنّي ومبقيك أحنا ساكن وتدرّس بالمدرسة لحد الآن”، صُعقت بما قال، ولكن لم آخذ تهديده على محمل الجد، وبقيت أؤدي رسالتي التعليمية ذهابًا وإيابًا لمدرستي، على الرغم من تنبيهي من قبل بعض زملائي التدريسيين بأن ذلك الطالب هو أحد أعضاء ميليشيا مسلحة مسيطرة ومتنفذة في قضاء (المُقْدادِيَّة). ويتابع المدرّس، وأنا في طريقي صباح أحد أيام عام 2016 وإذا بسيارة دفع رباعي تصُفّ بجانبي ويترجّل منها مسلحان مدنيان، واقتادوني معهم بالقوة -وتحت تهديد السلاح- إلى إحدى قرى (المُقْدادِيَّة)، ليستقرّ بي المقام داخل بناية مدرسية اتخذتها تلك الميليشيات مقرًا لها، وقضيت فيها ثلاث ليالٍ تعدل عمري الذي شارف الأربعين الآن، لِما ذقت فيها من صنوف التعذيب وفنون الشتائم والإهانات، ويستدرك، بعد شدّ وجذب وبفضل الله وحده، ثم شيوع خبري لم تجرؤ تلك الميليشيات على قتلي، وفككت نفسي منهم مقابل 10 آلاف دولار دفعتها عائلتي، لأترك القضاء بعد تلك الحادثة، ويختم (م.ف) بالقول: ما تزال تلك الميليشيات متنفذة في قضاء (المُقْدادِيَّة)، ويستر الله من القادم إن لم يوضع لها حل.

ووفقًا لما ذُكر؛ فإن مشكلة الواقع التربوي في محافظة (دِيالى) موغلة في التعقيد أو تعمُّد عدم الحل، وراحت المحافظة ضحية بين الفساد والإهمال الحكومي، وهي نموذج بسيط لما يعانيه الواقع التربوي والتعليمي في العراق بشكل عام، بل حتى المقاييس العالمية لجودة التعليم أخرجت العراق ولم تورد له ذكرًا، وهو خارج المعادلة في حسابها.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات