الخميس 16 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أرامل وأيتام العراق »

تفاقم ظاهرة التسوّل في الموصل.. نتيجة الفقر وفقدان المعيل

تفاقم ظاهرة التسوّل في الموصل.. نتيجة الفقر وفقدان المعيل

قسم التقارير – نينوى

بعد أكثر من تسعة أشهر على استعادة مدينة الموصل، وبعد الأمل الذي غمر النازحين بالعودة إلى مدنهم وإنهاء مسلسل معاناتهم، يعيش الموصلي واقعاً جديداً ربما يكون أقسى ممّا يسمى بصواريخ التحرير؛ وهو الفقر والبطالة والعوز الذي أدمى قلب الأب العاجزعن توفير لقمة العيش لأبنائه، والأرملة التي حُرم أبناؤها من التعليم واضطٌروا لإعالة الأسرة بعد فقدان المعيل، فتحوّل الزي المدرسي إلى ملابس رثة تغطي جسداً هزيلاً، وأصبحت الأرصفة والإشارات المرورية صفّاً يلتجأ إليه ذلك الطفل الموصلي كلَّ صباح يتلقّى فيه دروساً من المعاناة، فضلاً عن ألفاظ الشارع والتعرّض لشتى الممارسات من قبل المارّة أو الإهانات، فتحوّل إلى عاملٍ أو متسولٍ يستجدي عطف المارّة ليجلب لأسرته ما يسد الرمق.

لم يفقد منزله ووالده فقط .. بل فقد طفولته

التسوّل ظاهرة أصبحت تؤرّق الشارع الموصلي، فالطبقة الوسطى في هذه المدينة تحوّلت بفعل الأزمة الاقتصادية إلى طبقة معدومة”

هذه هي قصة (محمد) ابن العشرة أعوام التي رواها هو ووالدته لـ”وكالة يقين”، قُتل والدُه بسقوط صاروخٍ أثناء محاولتهم الهرب من مدينة الموصل، فأكملت والدتُه مسيرة إنقاذ أبنائها الخمسة، حتى وصلت مخيمَ الخازر الذي لم تجد فيه حتى خيمة تحمي ولدَيْها من قسوة الشتاء وبناتها الثلاثة، فبقيت في أروقة المخيم ثلاثة أيام حتى خُصصت خيمة لهم.

وبدأ مشوار المعاناة لدرجة أن الأم نسيت حزنها على زوجها، فواقعها أقسى من موته، وبدأ مشوار (محمد) الذي كان متفوقا في صفّه، ليجد نفسه مضطرّا لكسب الرزق لإعالة عائلته التي أصبح رغيف الخبز حلم يقظةٍ بالنسبة لهم، بدأ يعمل ببيع الخضروات عند أحد البسطيات القريبة من المخيم، ومع إعلان استعادة المدينة عاد لمحمد أيضاً أمل العودة إلى مدرسته ورفاقه، وقرّرت أسرته العودة إلى منزلها الذي كان في أيسر الموصل، وما إن عادت حتى وجدته هيكلاً خالياً من الزجاج والأبواب، وبدأ (محمد) رحلة خيبة أمل جديدة، ووجد واقعه أقسى من خيمة النزوح، فأسرته لاتملك من يعيلها، والحكومة لن تقدّم أي تعويضات للعائدين وضحايا هذه الحرب،  والموصل خالية من فرص العمل، فالجانب الأيسر أصبح ملاذاً آمناً لسكان الجانب الأيمن الذين فقدوا حتى ملامح شوارعهم بسبب حجم الدمار الهائل فيه، وأصبح يعاني كثافة سكانية ترافقها انعدام فرص العمل، فأُجبر (محمد) على الوقوف في الشارع ليمسح زجاج السيارات فيعطف عليه رجل بملغ زهيد من المال أو يغلق بوجهه رجل آخر نافذة السيارة وربما يتعرّض لتوبيخ من رجل أنهكه واقع مدينته فنسي حتى عطفه على هذه الضحية.

لقمة العيش .. حرب جديدة تُهدّد الموصل

“وقع الطفل الموصلي ضحية عصابات تستغل ضعفه وضعف واقعه الاقتصادي، لتحوّله إلى عنصر من عناصر عصابات التسوّل”

التسوّل ظاهرة أصبحت تؤرّق الشارع الموصلي، فالطبقة الوسطى في هذه المدينة تحوّلت بفعل الأزمة الاقتصادية إلى طبقة معدومة بفعل انعدام فرص العمل وتردي الأوضاع بعد الحرب وارتفاع نسبة البطالة التي وصلت إلى 60% من خريجي الكليات والمعاهد وغيرهم، بحسب الإحصائيات المحلية في المحافظة، وبدأت المحافظة تتسلّم آلاف طلبات العمل بأجور يومية، عدا عن الموظفين الذين لم يتسلّموا رواتبهم بانتظام، وهذا ما يؤثر سلباً على حركة الأسواق والقوة الشرائية للمواطنين، فاستغنى صاحب المحل التجاري عن العمّال في محلّه نظراً لقلة زبائنه، وبالتالي يتحول هؤلاء إلى متسولين يغزون الشوارع.

وبحسب شهود عيان ذكروا لـ”وكالة يقين” فإن التسول في الموصل أصبح ظاهرة تملك قوانين، حتى كادت تتحول بذلك إلى مهنة، فبدأ المتسوّل يدخل في مزايدات لشراء رصيف يتحكم بقواعد التسوّل فيه، وأصبح للأرصفة أسعاراً تتباين حسب موقعها وكثافة المارّين من خلالها، وهنا تفجّرت صراعات الوجود مرّة أخرى، لكنّها من أجل التسوّل وكسب لقمة العيش التي أصبحت هاجساً لهؤلاء.

مدينة بلا دور أيتام.. والأطفال عرضة للاستغلال

“المشكلة ليست حديثة العهد، فهناك أسرًا فقدت معيلها في عمليات تفجير أو أحداث عنف، وأصبح أطفالها أداة للاستغلال أثناء وجودهم في الشارع والتسوّل”

دار الأيتام الوحيد في الموصل دمّرته الحرب، وتعاني المدينة من إهمال الحكومة ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية تحديداً، والتي لم تطرح أي مشروع من شأنه النهوض بالواقع المرير الذي تعيشه أسر فقدت معيلها ومصادر رزقها وحتى منازلها، فوقع الطفل الموصلي ضحية عصابات تستغل ضعفه وضعف واقعه الاقتصادي، لتحوّله إلى عنصر من عناصر عصابات التسوّل التي نشطت في الآونة الأخيرة بالتزامن مع الوضع الاقتصادي المنهار للمواطنين وغياب الدولة في توفير مساعدات لهم، هذا ما كشف عنه الباحث الاجتماعي من مدينة الموصل (د. وعد الأمير) في تصريحه لـ”وكالة يقين”، وأضاف، أن تزايد استغلال الأطفال من قبل هذه العصابات يعود لتعاطف الناس بطبيعة الحال مع الأطفال، لذا فإن الطفل يكون أكثر عرضة لاستغلال عصابات التسول من غيره، لافتا إلى وجود حالات يلجأ فيها الطفل إلى الشارع لطلب المساعدة عن طريق الصدفة، بعد أن يئس من الحصول على عمل أو تقديم مساعدات من أي جهة، وبذلك يلتقي بمجموعة المتسولين المحترفين فيتم استغلاله وتوظيفه لخدمة عصابات ممنهجة فيتحول بذلك إلى متسول يأتمر بأوامر عصابات، واعتبر الباحث الاجتماعي أن الحل يكمن بمعالجة أسباب التسول وليس مكافحة الظاهرة حال استفحالها، وذلك يكون بجهد حكومي بالدرجة الأساس، من خلال إجراء دراسات دقيقه حول أعداد المتسولين وإيجاد الحلول المناسبة التي تنهي هذه الظاهرة غير الحضارية من خلال الاعتناء بهم وتوفير مصدر رزق مناسب لهم، وإنهاء معاناة هذه العائلات التي عانت الأمرّين خلال فترة الحصار والحرب ما دفعها إلى اللجوء حتى للحشائش لسد رمقها.

وفي هذا الصدد أكد اللواء (سعد معن) المتحدث باسم وزارة الداخلية وعمليات بغداد في حديثه لـ”وكالة يقين” القبض على حالات عديدة من محاولات تجنيد لأطفال متسولين، لافتاً إلى دور الشرطة المجتمعية التي يجب أن تقوم بدور توعوي وحماية المجتمع من هذه التحدّيات، مؤكدا على أهمية التنسيق بين مديرية العنف الأسري بوزارة الداخلية وبين منظمات المجتمع المدني والوزارات المختصة للقضاء على هذه الظاهرة.

حكومة منشغلة بصراعات سياسية وشعب جائع

“الإصرار على عودة النازحين هدفه إجراء الانتخابات بموعدها المحدد والحصول على مناصب جديدة”

توفير فرص العمل هو أبسط حق يجب أن توفره الدولة لمواطنيها، خصوصا بعد الدعوة للنازحين بالعودة إلى مدنهم المستعادة دون توفير البيئة المناسبة لهم أوخطط من شأنها إعادة تأهيل أطفالهم الذين أُجبر بعضهم للالتحاق بمدارس تم تغيير مناهجها لفكر متطرّف، وبهذا أصبح هؤلاء الأطفال مشروعاً خطِراً يشكّل تهديداً جديداً، هذا ما أكدته عضو لجنة حقوق الإنسان النيابية (أشواق الجاف) والتي كشفت في حديثها لـ”وكالة يقين” عن تقديم لجنتها خططاً لمكافحة ظاهرة التسوّل وإعادة تأهيل الأطفال بعد الحروب، موضحة أن هذه الخطط  لم تطبق على أرض الواقع بسبب انشغال المسؤولين بمكاسبهم السياسية وصراعاتهم الانتخابية والحزبية، وخصوصاً مع تزامن عمليات استعادة المدن مع التحضير للانتخابات المقبلة، وأضافت الجاف، أن هذه المشكلة ليست حديثة العهد، فهناك أسراً فقدت معيلها في عمليات تفجير أو أحداث عنف، وأصبح أطفالها أداة للاستغلال أثناء وجودهم في الشارع والتسوّل لمحاولة الحصول على لقمة عيش.

للحرب ضريبة يدفعها المواطن بلا شك، لكنّ ضريبة الموصلي كانت باهضة جدا، فهو يدفع ثمن حرب لم يكن طرفاً فيها سوى أن مدينته كانت وسيلة استخدمتها أطراف خارجية لزرع الدمار في المدينة وتغيير ديموغرافيتها، وإضعاف نسيجها الاجتماعي، وتدمير معالم ثاني أكبر مدينة في العراق ومن أهم المدن الأثرية في العالم، فحرق مكتبتها التي تحوي على أقدم المخطوطات في العالم لم يأت بشكل عشوائي، وتدمير متحفها وآثارها وتفجير معالمها وأسواقها القديمة لم يأت من قبيل الصدفه، فهي خطوات حثيثة نحو تدمير المواطن الموصلي الذي نسي مأساة مدينته ونكبتها الكبيرة وأصبح شغله الشاغل توفير لقمة عيش تقع مسؤولية توفيرها على الدولة المنشغلة بمراكز الاقتراع والمحاصصة الطائفية والكتل السياسية، حتى الإصرار على عودة النازحين هدفه إجراء الانتخابات بموعدها المحدد والحصول على مناصب جديدة وصفقات جديدة بغظ النظر عن مصلحة النازحين الذين لم توفر لهم الظروف الملائمة لعودتهم وأبسطها منزل يأويهم ولقمة عيش تسد رمق جوعهم، وتفاقمت ظاهرة تسوّل الأطفال في خضم تلك المعمعة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات