الإثنين 22 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » اخفاقات حكومة العبادي »

الموصل.. الميليشيات نهبت ملايين الأطنان من الحديد وباعتها لمعامل الصهر

الموصل.. الميليشيات نهبت ملايين الأطنان من الحديد وباعتها لمعامل الصهر

قسم التقارير – نينوى

يؤكد العديد من أهالي مدينة الموصل، أنهم اعتقدوا بأن الجرافات والشاحنات التي باشرت العمل بعد فترة قليلة من انتهاء المعارك في مدينتهم؛ كانت مؤشرًا لانطلاق أعمال الإعمار، أو حتى المساعدة في انتشال مئات الجثث المتواجدة تحت أنقاض المباني، قبل أن يكتشفوا أن هذه الحركة الدائبة ترمي إلى استخراج أكبر كمية من الحديد الخردة، ومعادن أخرى تم شحنها لاحقًا وبيعها إلى معامل تجميع وصهر في البصرة والسليمانية.

ويتفق شهود العيان من المدينة المنكوبة، بأن آلاف المنازل والعشرات من المؤسسات الحكومية التي تم تدميرها بفعل العمليات العسكرية؛ كانت مسرحًا للنهب والسلب من قبل عناصر ميليشيا الحشد الشعبي، الذين رافقوا قطعات القوات المشتركة لدى اقتحامها المدينة، وتحديدًا الجانب الأيمن منها، والذي يعد الأكثر تضررًا من حيث الخسائر البشرية والمادية.

مهندس: المحطات الكهربائية الأكثر نهبًا

يبين مصدر عامل في محطة السحاجي الكهربائية “غرب الموصل”، أن الأضرار في المحطة -أثناء العمليات العسكرية وحتى بعد انتهائها- كانت جزئية، واقتصرت على بعض أقسامها، ولكن المفاجأة كانت بعد تسلمهم العمل فيها، حيث تم تدمير معظم الأبراج والوحدات التوليدية والمجمع السكني الملحق بها، فيما اختفت أغلب الأجزاء المحطمة والمحترقة من المكان.

“عمليات النهب معروفة بين أهالي الموصل، وأغلب العائدين بشكل مبكر إلى المدينة؛ شاهدوا طابور الشاحنات الداخلة وهي فارغة، بينما تخرج محملة بكل أنواع الحديد الخردة”

ويضيف المصدر، وهو مهندس تشغيل في المحطة “رفض ذكر اسمه لحساسية الموضوع”، أن الحالة الطبيعية لمكان جرت فيه اشتباكات أن يكون مهدمًا أو محروقًا، وهذه المواصفات لم تكن متوفرة في بقايا محطة السحاجي التي تسلموها ، مبينًا أن الأبراج الفولاذية والأجزاء التوليدية وحتى أسلاك النقل الكهربائي اختفت، وكذلك الحال بالنسبة للمجمع المؤلف من عشرات البيوت المتنقلة “الكرفانات”، بينما انتشرت الأنقاض والهياكل المعدنية الضخمة، والتي يبدو أنها تعذر نقلها وتحميلها على الشاحنات لغرض نهبها.

ويشير المهندس الموصلي في حديثة لــ”وكالة يقين” إلى أن حالة محطة السحاجي كانت شبيهة بعشرات المشاريع المتخصصة بخدمة المدينة، وتشمل الكهرباء والماء والصرف الصحي والمستشفيات والدوائر الأخرى، التي توزع مصيرها بين التدمير والنهب الكلي أو الجزئي ، مضيفًا بأن المحطات الكهربائية هي الأكثر نهبًا من غيرها؛ لكونها تحتوي على كمية ضخمة من الفولاذ المستخدم في الأبراج الناقلة للطاقة الكهربائية، والنحاس الداخل في صناعة المحولات والوحدات التحويلية، بالإضافة إلى الأسلاك، وهي جميعًا تشكل بضاعة مرغوبة بشدة في معامل الصهر والتحويل.

وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت في تموز/ يوليو 2017 عن انتهاء العمليات العسكرية في الموصل، بعد معارك استمرت منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وهو الموعد الرسمي لانطلاق العمليات العسكرية لاستعادة السيطرة على المدينة، بعد إن دخلها مسلحو “تنظيم الدولة” في صيف عام 2014، بعد انسحاب جميع القوات الحكومية منها.

مواطن: شاهدنا عمليات النهب ولا نستطيع الشكوى

من جهته يوضح المواطن “أبو حوراء النعيمي”، وهو من سكنة المدينة القديمة في الموصل مشاهدته لعشرات الجرافات والشاحنات، وهي تعمل في المنطقة، وهو ما دفعة للاعتقاد بأنها تعمل على استخراج جثث المدنيين المدفونة تحت الأنقاض، أو أنها تعمل على فتح طريق للمباشرة في عمليات الإعمار للمدينة ، مستدركًا بأن العمل برمته لم يتعدَّ أن يكون سرقة جرت أحداثها فوق حرمة الموتى “بحسب تعبيره”.

ويضيف “النعيمي” في حديث لــ”وكالة يقين”، أن القوة المرافقة للجرافات والشاحنات كانت -وبحسب العلامات والشعارات التي يضعونها- تنتمي إلى فصيلين من ميليشيا الحشد، وهما حزب الله والنجباء، واستمر عملهم لأكثر من أسبوع كامل، واقتصر على أطراف المدينة لعدم تمكنهم من التوغل إلى الداخل؛ بسبب الحجم الكبير للأنقاض، وخشيتهم من القنابل غير المتفجرة، والعبوات الموجودة بين المنازل المهدمة.

“زعماء الميليشيات الذين أصروا على المشاركة في معركة الموصل؛ جنوا أرباحًا خيالية من بيع الحديد لوحده، فضلًا عن النحاس ومنهوبات أخرى”

ولا يستطيع “النعيمي” تقدير كمية الحديد المنهوبة من منطقة المدينة القديمة، ولكنه يقدر عدد الشاحنات التي كانت تخرج من المدينة يوميًا بأكثر من 50، وهي تشمل منطقة واحدة، ناهيك عن باقي أحياء ومدن المحافظة ، مبينًا أن كميات الحديد “السكراب” المستخرجة من الأحياء السكنية تعد بسيطة؛ قياسًا على المجمعات الحكومية والمناطق الصناعية.

ويشير “النعيمي” إلى أن عمليات النهب معروفة بين أهالي الموصل، وأغلب العائدين بشكل مبكر إلى المدينة؛ شاهدوا طابور الشاحنات الداخلة وهي فارغة، بينما تخرج محملة بكل أنواع الحديد الخردة، وكذلك المحولات الكهربائية التي أشيع بأنها تذهب إلى الصيانة والتأهيل خارج الموصل، ولكنها في الحقيقة يتم سرقتها ، مؤكدًا أن الحديث عن هذا الموضوع بديهي ومعلوم للجميع، ولكن لا أحد من المواطنين أو المسؤولين يستطيع الخوض فيه؛ خوفًا من عواقب الاختطاف والتصفية الجسدية أو الاعتقال والتغييب في أحسن الأحوال.

وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت عند انطلاق العمليات العسكرية باتجاه الموصل؛ أن المشاركة فيها ستقتصر على قوات وزارَتَي الداخلية والدفاع، قبل أن تتراجع لاحقًا عن هذا التصريح، وتزج بميليشيا الحشد الشعبي في المعركة، في وقت أكد المراقبون أن هذا التراجع جاء بعد إصرار غريب من قادة ميليشيا الحشد على دخول الموصل، برغم تأكيدات رسمية عسكرية بعدم الحاجة إليها.

مسؤول: 20 ألف منزل مهدم وخسائر بالمليارات

من جانبه يقدر عضو لجنة الخدمات في مجلس محافظة نينوى “حسام العبار” عدد المساكن المدمرة في منطقة الموصل القديمة، وحدها بأكثر من 20 ألف وحدة سكنية، لا يمكن التعامل معها سوى بتجريفها بشكل كامل، من أجل بناء حي سكني جديد في مكانها.

ويبين “العبار” في حديثه لــ”وكالة يقين”، أن مساحة المنطقة المدمرة بشكل كامل يزيد عن 13 ألف متر مربع، ووفق التقديرات البلدية؛ فإن إعمار المتر الواحد يتطلب مبلغ مليون دينار، فيما يقدر حجم الخسائر في قطاع الجسور لوحدة بــ120 مليار دينار بينما تبلغ الخسائر في قطاع الكهرباء بالمدينة بــ65 مليار دينار وهذا المبلغ يشمل محطة السحاجي لوحدها.

100 ألف دينار ثمن طن الحديد المنهوب

ومع عدم تطرق “العبار” إلى الحديث بخصوص عمليات النهب التي تلت المعارك؛ فإن مصدرًا في مجلس المحافظة “رفض الكشف عن إسمه”، يؤكد امتلاكهم معلومات بأن جميع المنهوبات الحديدية من المدينة؛ ذهبت إلى معامل صهر في محافظَتَي البصرة والسليمانية، وأن القائمين على العملية حصلوا على مبلغ 100 ألف دينار لكل طن من الحديد الجيد، ونصف السعر لطن الحديد المستهلك.

“أكدت منظمة “هيومن رايتس”؛ قيام القوات الحكومية في العراق بأعمال نهب منازل وإلحاق أضرار بها أو تسويتها بالأرض، من دون أي ضرورة عسكرية ظاهرة”

ويبين المصدر لــ”وكالة يقين”، أن زعماء الميليشيات الذين أصروا على المشاركة في معركة الموصل؛ جنوا أرباحًا خيالية من بيع الحديد لوحده، فضلًا عن النحاس ومنهوبات أخرى تمثلت في محولات الكهرباء، سواء كانت سليمة أو متضررة، وأعداد كبيرة من مولدات الكهرباء وبقدرات توليدية مختلفة ، مشيرًا إلى أن هياكل السيارات المحطمة والمحروقة تم شحنها أيضًا ضمن حمولات الحديد.

المصدر أوضح أنهم تلقوا شكاوى بالجملة من مواطنين، أكدوا أن عمليات نهب شملت جميع المحال والمؤسسات التجارية التي يمتلكونها، وسبق لها أن نجت من القصف والعمليات العسكرية، ولكنها لم تسلم من سرقة محتوياتها بالكامل، في الفترة التي تلت انتهاء العمليات العسكرية، متابعًا بأن الشكاوى تشمل أصحاب المنازل الذين وجدوها خالية تمامًا من أي أثاث أو موجودات.

هيومن رايتس: هذه الأفعال ترقى لكونها جرائم حرب

من جانبها أكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” المعنية بحقوق الإنسان؛ قيام القوات الحكومية في العراق بأعمال نهب منازل وإلحاق أضرار بها أو تسويتها بالأرض، من دون أي ضرورة عسكرية ظاهرة، داعية الدول الداعمة لهذه القوات إلى الضغط على الحكومة العراقية لإجراء التحقيقات بهذه الأفعال.

ودعت المنظمة في بيان -اطلعت “وكالة يقين” عليه- مجلسَ حقوق الإنسان إلى توسيع نطاق آلية التحقيق التي أُنشِئت في 2014، لتشمل أيضًا الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها الأطراف كافة، ومنها: قوات ميليشيا الحشد الشعبي الخاضعة لقيادة رئيس الوزراء العبادي بشكل مباشر.

وبينت المنظمة الحقوقية أنها وثقت -وبصور الأقمار الصناعية- أعمال نهب واسعة لبنايات، باستخدام متفجرات ومعدات ثقيلة، وعن طريق الإحراق لمنازل جرت بعد استعادة السيطرة على المناطق، مشددةً على أن هذه الأفعال ترقى إلى مصاف جرائم الحرب.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات