الأربعاء 24 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

العبوات اليومية في بغداد.. وسيلة الميليشيات في ردع المواطنين

العبوات اليومية في بغداد.. وسيلة الميليشيات في ردع المواطنين

قسم التقارير – بغداد

لا ينقضي يوم في العاصمة بغداد من دون أن تشهد مناطقها أكثر من انفجار باستخدام العبوات الناسفة في معظمها، وهي حوادث تصفها قيادة الجهات الحكومية بأنها حوادث “إرهابية” لخلايا نائمة أو عمليات تخريبية، في وقت يؤكد مواطنون ومصادر مطلعة بأن النسبة الأكبر من هذه الحوادث هي تصفيات جسدية لمنافسين، أو لأطراف تجارية ترفض الابتزاز من قبل الميليشيات التابعة للأحزاب، والتي باتت تتقاسم النفوذ والهيمنة على مناطق العاصمة.

ولا يستطيع أحد من المتضررين أن يوجه أصابع الاتهام بشكل رسمي إلى قادة وعناصر هذه الميليشيات خلال التحقيقات التي تقوم بها وزارة الداخلية، عقب كل حادثة ليقينهم بأن كل الكلام يتسرب بشكل مؤكد إلى قيادات الميليشيات، وهو ما ينذر بانتقام أكثر دموية، مفضلين اللجوء إلى الصمت، ومحاولة إيجاد تسوية مناسبة مع هذه الأطراف، سواء كانت عن طريق التنازل المادي أو الانسحاب السياسي.

الميليشيات تخير أصحاب المراكز: الدفع أو التفجير

وخلال الشهرين الماضيين؛ تركزت عمليات التفجير في بغداد على محلات مساج ونوادٍ اجتماعية، تم تبريرها بأنها تحذير ميليشياوي لكل من يمارس أعمالًا منافية للأخلاق، وهو تفسير ترفضه صاحبة إحدى هذه المحلات في منطقة المنصور “غرب بغداد”، وتلقي باللوم على الذين يمتلكون المحلات المستهدفة؛ لأنهم امتنعوا عن دفع “الإتاوة الشهرية” إلى الفصيل المسلح المسيطِر على المناطق التي تقع فيها تلك المحال والنوادي.

“لا ينقضي يوم في العاصمة بغداد من دون أن تشهد مناطقها أكثر من انفجار”

صاحبة مركز المساج التي أطلقت على نفسها اسم “أم غدير”، تبين أن كل محل مساج أو نادٍ اجتماعي يحوي على لعبة “الدمبلة”، والعاب “المراهنات”، ويقدم المشروبات الروحية، أو حتى المحلات الصغيرة لبيع هذه المشروبات؛ يجب أن يدفع مبلغًا شهريًا إلى الفصيل المسلح المسيطِر على المنطقة، مبينةً أن هذا المبلغ يتراوح بحسب حجم النشاط والأرباح التي يحصل عليها المحل، ولكنه لن يقل في جميع الأحوال عن 1000 دولار شهريًا.

وأوضحت “ام غدير” لــ”وكالة يقين” أن هذه الإتاوات كانت تُدفع في السابق إلى ضباط في الجيش أو الشرطة الاتحادية، ولكنها أصبحت من نصيب قادة الفصائل المسلحة التي افتتحت مقراتها الرسمية، ونزلت بتشكيلاتها وسلاحها إلى الشارع بعد تأسيس الحشد الشعبي عام 2014، مضيفةً بأن بعض أصحاب المراكز يمتنعون عن الدفع للفصيل المسيطِر على المنطقة، معتمدين على صلاتهم القوية بفصيل آخر، أو شخص متنفذ.

وتشير “أم غدير” إلى أن هذه التجارة الضخمة لا تعرف العلاقات الشخصية ولا تعترف بها، وبالتالي فإن هؤلاء الممتنعين عن الدفع لن يغفروا الخطأ الذي وقعوا فيه إلا بعد أن تصلهم الرسائل القوية، وهي في العادة عبوات ناسفة تُوضَع أمام محلاتهم في وقت الإغلاق، مشيرةً إلى أن أضرار الرسالة الأولى تقتصر على الخسائر المادية، بينما تكون الخسائر البشرية في الرسالة الثانية إذا أصر صاحب المركز أو النادي عن الدفع.

ضابط: تفجيرات استهدفت تحقيق خسائر مادية

إلى ذلك يبين المقدم في مديرية مكافحة المتفجرات التابعة لوزارة الداخلية “نعيم المكصوصي”، أن التفجيرات من هذا النوع -والتي حصلت مؤخرًا في بغداد- لم توقع خسائر بشرية؛ باستثناء ثلاثة مصابين بجروح طفيفة، وهم من العابرين بقرب أحد هذه المراكز، في إشارة إلى أن هؤلاء المصابين لم يكونوا معنيين بالتفجير وأصيبوا به بشكل عرضي.

“لا يستطيع أحد من المتضررين أن يوجه أصابع الاتهام بشكل رسمي إلى قادة وعناصر هذه الميليشيات

وأوضح “المكصوصي” في حديث لــ”وكالة يقين” أن شهر شباط/ فبراير الحالي؛ شهد ثلاثة تفجيرات استهدفت أندية، ومحلات مساج، في مناطق متفرقة من بغداد، وهي: “زيونة” و”الكرادة” و”الغدير”، وأدت إلى خسائر مادية كبيرة في بنايات هذه الأندية، في حين لم يُسَجَّل إصابة أي عامل في هذه المراكز، لافتًا إلى أن جميع هذه التفجيرات استخدمت فيها عبوات بدائية الصنع وتم تفجيرها عن بعد، باستخدام نظام الصاعق المتحكم فيه بإشارات الهاتف المحمول.

ويشرح “المكصوصي” نوعية العبوات المستخدمة بأنها في الغالب مؤلفة من قذيفة هاون من عيار 60 ملم، يجري تحويرها بطريقة بسيطة حتى تُحدِث -لدى تفجيرها- أكبر قدر ممكن من التدمير، مضيفًا بأن بعض العبوات الأخرى هي الأوعية البلاستيكية “الجليكانات”، المعبأة بكميات متفاوتة من مادة “ت ن ت” المتفجرة، وبإضافة صاعق كهربائي إليها، وهي أكثر الأساليب المتبعة في التفجيرات الحاصلة في العاصمة بغداد.

45 مخزن أسلحة للميليشيات في بغداد

وتحتفظ فصائل الحشد الشعبي بخزين كبير من المواد الداخلة في صناعة المتفجرات، فضلًا عن قذائف الهاون، وصواريخ الكاتيوشا، التي تحصل عليها عن طريق حصة تسليحية من وزارة الدفاع، أو بالتجهيز الخارجي، حيث تعد إيران الممول الرئيسي لهذه الفصائل بالسلاح، وخصوصًا المجاميع المقربة منها، والتي تحظى بدعمها المباشر .

منطقة “العبيدي” شرق بغداد شهدت واحدة من أسوأ التفجيرات الضخمة في العاصمة، والتي حصلت داخل مخزن كبير للأسلحة والأعتدة، تعود ملكيته لميليشيا “عصائب أهل الحق“، والتي تبرأت منه لاحقًا بعد النقمة الشعبية التي حصلت بعد التفجير، وخصوصًا من الأهالي الذين فقدوا ذويهم أو أصيبوا من التفجير، ومن هؤلاء “أبو روان الطليباوي” الذي فقد أحد أولاده في التفجير.

“مواجهات ومعارك مسلحة تنشب بين الحين والآخر بين الفصائل، ولكنها تخضع للتسوية الداخلية، ويتم حلها بإعادة توزيع النفوذ”

ويستغرب “الطليباوي” في حديث لــ”وكالة يقين”، من حاجة الفصيل المسلح لترسانة ضخمة من المتفجرات والصواريخ، يتم وضعها بين السكان وعلى مقربة من مدرسة ابتدائية، مبينًا أن عناصر الفصيل -رفض تسميته- أشاعوا بين الناس، أن التفجير ناجم من قصف طائرة أمريكية لمقرهم، ولكنه تبين لاحقًا أن طريقة الخزن والتكديس الضخم لكميات كبيرة من المتفجرات، وارتفاع درجات الحرارة كانت السبب في التفجير المرعب الذي ذهب ضحاياه من الأبرياء، ولم يُصَب أحد من الفصيل؛ لأنهم كانوا لا يبيتون فيه.

ويتابع “الطليباوي” أن نصيبهم من التفجير كان صاروخ “كاتيوشا” سقط في باحة الدار، وأدى إلى استشهاد أحد أولاده، وهو بعمر 9سنوات، وإصابة أخيه بشظية، ولكن تماثل للشفاء منها بعد شهر واحد من الحادثة، التي حصلت مطلع شهر أيلول/ سبتمبر عام 2009، مبينًا أن قياديًا في الفصيل اجتمع بوجهاء المنطقة، وأعلن أمامهم بأن المستودع لا يعود لهم، وأن هناك حاقدين يروجون لهذه الأخبار لتشويه الانتصارات التي يحققونها في ساحات المعارك، ولكنه -بحسب “الطليباوي”- لم يشرح حاجة فصيله أو غيرهم لخزن مثل هذه الكمية من القذائف داخل حي سكني.

وإذا كان مخزن “العبيدي” يضم 5 آلاف هاون وصاروخ كاتيوشا ومواد متفجرة متفرقة؛ فإن مصادر مطلعة ترى بأنه يُعَدّ من أصغر مخازن الميليشيات في بغداد، ولا يمكن مقارنته بحجم أكثر من 45 مخزنًا تضم أعدادًا أكبر، وتشغل مساحات أوسع في مناطق بغداد، مثل: “مدينة الصدر” و”الشعلة” و”العامل” و”الشرطة الرابعة” والشرطة الخامسة”.

خبير: الداخلية ترفع شعار “الوضع تحت السيطرة”

من جانبه يلفت الضابط السابق والخبير الأمني “محمد ناصر الدلفي” إلى عدم وجود إحصائيات معلنة لعدد التفجيرات التي تشهدها مختلف مدن العراق، وعلى وجه الخصوص العاصمة بغداد، في ظل رأي يدفع باتجاه التقليل من تداول هذه المعلومات، حتى لا تؤثر على وضع السيطرة على الموقف، الذي تعلن عنه وزارة الداخلية، حتى وصل الأمر إلى التندر على ناطق إعلامي حكومي برتبة عالية؛ بأن اسمه الحقيقي هو “سيطرة”، وذلك لكثر ترديده هذا المصطلح، في وصفه للوضع الأمني الذي يصر بأنه “تحت السيطرة”.

وبخصوص استخدام التفجيرات في الابتزاز والإخضاع السياسي؛ فإن الخبير “الدلفي” يؤكد لــ”وكالة يقين”، بأنه ليست هناك أي ضمانات لعدم استخدام الفصائل المسلحة لمخزوناتها الكبيرة من الأسلحة والأعتدة ضد بعضها البعض، ولفرض النفوذ على المناطق وتحقيق المكاسب، متابعًا بأن هناك مواجهات ومعارك مسلحة تنشب بين الحين والآخر بين الفصائل، ولكنها تخضع للتسوية الداخلية، ويتم حلها بإعادة توزيع النفوذ.

وعن دور القوات الحكومية في ضبط تصرفات وأفعال عناصر الميليشيات؛ فإن “الدلفي” يعتقد بأن هذا الأمر محسوم ومعروف لدى أي شخص، وهو أن أكبر مسؤول أمني لن يستطيع مجرد الاقتراب من هذا الملف، أو يفكر بالاعتراض على تصرفات قادة الميليشيات وعناصرها، مذكرًا بأن العكس هو الحاصل، حيث هناك حالات قام عناصر الميليشيات بتوقيف واحتجاز ضباط ذوي رتب عالية في وزارَتَي الداخلية والدفاع.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات