الخميس 16 أغسطس 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

الرشاوى والابتزاز.. صفات ملازمة لنقاط التفتيش في العراق

الرشاوى والابتزاز.. صفات ملازمة لنقاط التفتيش في العراق

قسم التقارير – العراق

تشهد المحافظات العراقية غياب القانون وسلطة الدولة وانتشار العصابات الإجرامية، في العاصمة بغداد والمدن الأخرى، التي غاب الأمن والاستقرار فيها حتى في نقاط التفتيش الداخلية والخارجية، والتي تبتز سائقي السيارات والشاحنات بفرض الإتاوات والرشاوى؛ لضمان مرورهم من نقاط التفتيش التابعة لقوات الجيش والشرطة وكذلك نقاط تفتيش الميليشيات غير القانونية.

الرشاوى والابتزاز تهديد لأمن المواطنين في العراق ومن نوع آخر، وليس بمسمى الإرهاب والعصابات المنظمة حتى تحولت القوات الحكومية من حماية الأمن وحفظ هيبة الدولة وسلامة المواطن، إلى جهات تساوم المدنيين في نقاط التفتيش؛ لسرقة أموالهم وتهديد من يمتنع بالاعتقال، وتلفيق التهم الجاهزة لمن يعارضهم.

سيطرة الشعب في بغداد، ونقاط التفتيش على طريق مطار بغداد، وفي الكاظمية والكرادة وسيطرة الصقور، ونقاط تفتيش أخرى في العاصمة العراقية: نموذجًا للفساد الإداري والمالي، والابتزاز لجميع سائقي الشاحنات، وحتى المسافرين ممن تفرض عليهم إتاوات من أجهزة القوات الحكومية، وعناصر الميليشيات المسلحة التابعة لجهات سياسية.

عبء آخر أُضِيفَ لمعاناة المواطن العراقي خلال تنقله بمناطق العاصمة بغداد والمحافظات العراقية، التي بات يسودها نظام الغاب، والميليشيات والعناصر الخارجة عن سلطة القانون، التي تنشر سيطرات ونقاط تفتيش لتهديد سائقي العجلات والمسافرين خلال تنقلهم من محافظة لأخرى.

الابتزاز يجعل الحُماة “قُطَّاع طرق”

“عثمان العزاوي” والبالغ من العمر 40 عاما، سائق عجلة لنقل الركاب من أهالي الأعظمية في بغداد، تحدث لـ”وكالة يقين”: إن “فقدان الأمن والاستقرار ليس بمناطق محددة في العاصمة؛ وإنما في جميع المناطق، وفي كل نقاط التفتيش الداخلية والخارجية، حتى بات الشرطي والجندي شخصًا يهدد ويبتز الناس في وضح النهار، ويعمل على تأخير عبور المركبات، لحين دفع ما يقارب 50 ألفا إلى 100 ألف دينار -40 إلى 80 دولارا- لعبور العجلات الصغيرة، فيما يتم فرض إتاوات تصل إلى 100 دولار على شاحنات النقل”.

“عبء آخر أُضِيفَ لمعاناة المواطن العراقي خلال تنقله بمناطق العاصمة بغداد والمحافظات العراقية”

وأكد “العزاوي” الذي تخوف من ملاحقة الميليشيات له، في حال كشفهم أنه تحدث عن جرائمهم وابتزازهم في نقاط التفتيش، التي تحولت إلى مقرات للمليشيات والجهات المتنفذة والبارعة في سرقة المواطن الفقير، وبطرق خبيثة”.

وأضاف، أن “سائقي المركبات والشاحنات أصبحوا مجبرين إلى رفع أسعار النقل الداخلي والخارجي؛ بسبب تلك الإتاوات المفروضة عليهم من قبل عناصر القوات الحكومية والميليشيات؛ في نقاط التفتيش المنتشرة على الطريق الدولي الذي يربط بغداد بالمحافظات العراقية”.

وكشف “العزاوي” أن “الحكومة والجهات المسؤولة تعلم بفساد عناصر نقاط التفتيش ولم تتدخل، لكون هناك سماسرة لهم في تلك المناطق، يتم إيصال حصتهم من الإتاوات والمبالغ التي تُسْرَق من المدنيين وسائقي الشاحنات والمركبات، وتُحَوَّل لهم بشكل يومي”.

العديد من الشكاوى من فشل الرقابة الحكومية في متابعة الأجهزة الأمنية، التي تخالف القانون في حماية المواطن؛ بل تقوم بسرقته وابتزازه في نقاط التفتيش، التي يُرفَع فيها العلم العراقي، ويُكتَب على أبوابها ومداخلها أنظمة الدولة المغيبة بوجود قانون المليشيات والتسلط.

لغة وشيفرة خاصة لعبور نقاط التفتيش

أما المواطن “محمد العامري” فقد امتنع في بادر الأمر بالحديث، لكنه تشجع خلال تذكر المبالغ اليومية التي تُدفَع للأجهزة الحكومية في نقاط التفتيش ومداخل العاصمة، وخلال تنقله من محافظة لأخرى، وهو يقود شاحنة نقل البضائع والسلع على الطريق البري بين بغداد والأنبار وكركوك.

“تحولت نقاط التفتيش لآبار نفط ومصارف مالية، يتم استثمارها وبيعها وشراؤها بشكل متواصل”

“العامري”، الذي تجاوز العقد الرابع من عمره، وأثقل عينيه سهر الليالي وأنوار العجلات التي أدت إلى ضعف في بصره، خلال قيادته شاحنته يوميا من محافظة لأخرى، قال لــ”وكالة يقين”، أن “لغة خاصة نعتمدها حين المرور بنقاط التفتيش، مع امتلاكنا اتصالا مع عدد من عناصر الشرطة والجيش وميليشيا الحشد؛ لضمان مرورنا من تلك النقاط عبر الطريق الخاص؛ لضمان عدم تأخيرنا، مقابل دفع مبالغ تصل إلى 100 دولار وبحسب البضاعة التي نحملها”.

وأوضح محمد العامري، أن “أسعار الإتاوات والابتزاز اليومي في نقاط التفتيش يختلف عن نقاط الجمرك، الذين لهم طريقة تختلف جذريا عن المبالغ التي ندفعها لنقاط التفتيش العادية، فموظفو الجمرك يتطلب التعامل معهم بحصولهم على كارت اتصال من فئة العشرة آلاف دينار أولا، وهدايا، ودفع مبالغ تصل إلى 500 دولار؛ لتسهيل إجراءات الختم والحصول على ورقة المرور”.

مضيفا أن “الكلام يطول عن المعاناة التي يتعرض لها سائقو الشاحنات، ممن ينتظرون لساعات وأيام أمام سيطرة الصفرة المشؤومة، وسيطرة الشعب، ناهيك على مداخل بغداد في الكاظمية وسيطرة كركوك أيضا، مع تعرض البضائع للتلف جراء بقائنا لأيام عديدة في الشوارع، ونحن من دون تحرك لمتر واحد”.

العبور من الطريق الخاص مقابل “رشوة

أما “أبو فادية” الذي يرتدي سترة سوداء، ذو لحية كثيفة، رأيناه يقود عجلته مسرعا أمام طابور طويل قريب من مدخل سيطرة الصقور على الطريق الدولي بين الأنبار وبغداد، حتى تحول من الطريق المخصص لعبور السيارات المدنية إلى الطريق العسكري الخاص، وتمكن من عبور السيطرة من دون تأخير.

“حصول نقاط التفتيش وسيطرات الجمرك على مبالغ مالية تصل إلى عشرات الملايين يوميا، من خلال ابتزاز المدنيين”

وبعد البحث والقيادة بشكل سريع؛ تمكنّا من اللحاق به والتوقف بالقرب من “مطعم زارزور” في مدينة الفلوجة؛ لأنه حاول الاستراحة قليلا قبل إكمال رحلته باتجاه مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، وتحدث “أبو فادية” المواطن “كنعان خميس” لـ”وكالة يقين”: أن الغشيم والفقير لا يعيش في هذا البلد، -وضحك بشكل متواصل- عندما سألناه عن كيفية عبوره سيطرة الصقور من دون تأخير، رغم وجود المئات من العجلات والشاحنات المتوقفة برتل طويل، فأجابنا: “أجريت مكالمة سريعة مع أحد عناصر الشرطة، وقدمت له 50 ألف دينار -40 دولارا- مع كارت موبايل بعد توقفي لثوانٍ أمام جهاز السونار للتفتيش”.

موضحا إن “جميع نقاط التفتيش أمتلك فيها عناصرًا ومنتسبين، لي اتصال بهم؛ لكون تنقلي اليومي أجبرني على معرفتهم؛ لتسهيل مروري من تلك النقاط؛ للوصول إلى أعمالي في المقاولات، والعودة إلى بغداد من دون تأخير”.

عناصر نقاط التفتيش تحت حماية المسؤولين

من جانبه طالب عدد من أعضاء البرلمان والحكومة المحلية في بغداد والأنبار وكركوك وبابل والنجف وتكريت بضرورة محاسبة عناصر ومنتسبي نقاط التفتيش، ممن تورطوا بعمليات الابتزاز وفرض الإتاوات علنا على المدنيين، ومنعهم من العبور لحين دفع الرشاوى التي تُحَدَّد بحسب نوع السيارة وشكل المواطن وهندامه وماذا يحمل.

“مافيات ومليشيات تدير عددا من نقاط التفتيش الرئيسة وسيطرات الجمرك، ولا يمكن لأي جهة حكومية منعهم أو محاسبتهم”  

أما الأدلة والتحقيقات التي أجريت من خلال اللجان الحكومية؛ كشفت حصول نقاط التفتيش وسيطرات الجمرك على مبالغ مالية تصل إلى عشرات الملايين يوميا، من خلال ابتزاز المدنيين وفرض الإتاوات على سائقي الشاحنات، وتوزع هذه المبالغ على بعض الضباط في الجيش والشرطة وميليشيا الحشد، مع تحديد حصة من هذه المبالغ إلى شخصيات سياسية توفر لهم الغطاء والحماية من المحاسبة القانونية.

وكشف مصدر أمني مسؤول في العاصمة بغداد-الذي طلب عدم الكشف عن اسمه-، في حديث لـ”وكالة يقين”: إن “جميع القيادات الأمنية واللجان في مجالس المحافظات لا تمتلك صلاحية في التحقيق، أو محاسبة المتورطين بتهديد وابتزاز الناس في نقاط التفتيش الثابتة والمتحركة التي أثقلت كاهل المواطن، وأرغمته على دفع الرشاوى في وضح النهار، فنقاط التفتيش موزعة ضمن المكاسب السياسية”.

وأضاف، إن “مافيات ومليشيات تدير عددا من نقاط التفتيش الرئيسة وسيطرات الجمرك، ولا يمكن لأي جهة حكومية منعهم أو محاسبتهم، ولكل سيطرة جهة سياسية هي المسؤولة عنها، حتى تحولت نقاط التفتيش لآبار نفط ومصارف مالية، يتم استثمارها وبيعها وشراؤها بشكل متواصل؛ لجمع المكاسب على حساب أمن وراحة المواطن”.

مسؤول أنباري: الابتزاز في السيطرات “حالات فردية”

ويرى عضو المجلس المحلي لمدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار “حميد الدليمي”، أن جميع نقاط التفتيش للجيش والشرطة في أقضية المحافظة ونواحيها، تعمل على تفتيش وتدقيق العجلات والشاحنات لتأمين الوضع الأمني في المحافظة، لافتًا إلى أن ما يحدث من حالات ابتزاز وتهديد في نقاط التفتيش “حالات فردية”.

وقال “الدليمي” لـ”وكالة يقين”: إن “القوات الحكومية بكافة صنوفها تتشارك بوجود نقاط تفتيش في مداخل ومخارج العاصمة، وبين الأنبار والمحافظات الأخرى، فضلًا عن وجود أجهزة لكشف المتفجرات في المداخل المهمة لأقضية ونواحي الأنبار”، مؤكدًا أن “هناك بعض التأخير -غير المتعمد- يحصل في هذه النقاط لتدقيق وتفتيش العجلات”.

ويضيف، أن “عمليات الابتزاز والإتاوات محدودة في نقاط التفتيش، وفي حال حدوثها وتشخيصها فهي فردية، لا تمثل الأجهزة الحكومية كافة، ونحن نرفضها بشكل قاطع”.

وتابع قائلا: “في حال وجود أي حالات ابتزاز وتهديد للمدنيين في نقاط التفتيش؛ يتم تشكيل لجان تحقيقية فورية لمحاسبة المتورطين”، على حد قوله.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات