الجمعة 14 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الشتات العراقي.. الهجرة والنزوح »

المهاجرون العراقيون.. أعداد متزايدة وحياة قاسية

المهاجرون العراقيون.. أعداد متزايدة وحياة قاسية

قسم التقارير – وكالة يقين

في صوب جنوب لبنان، تسكن عائلة “أبي حسان” المكونة من ستة أشخاص، منزلًا تملؤه رطوبة المبنى القديم الذي يسكنونه، وتحاصرهم جدران متصدعة لم تنجُ من تراكمات السنين.

“أبو حسان” -50 عامًا-، كان طيارًا في الجيش العراقي السابق، وكان يملك منزلًا في منطقة “السيدية” ببغداد، اضطر لمغادرة العراق بعد تعرضه لتهديد من قبل الميليشيات الطائفية، فقرر ترك منزله ومحل والده في سوق “الشورجة” وسط العاصمة واللجوء إلى “سوريا”، ليعمل هناك في محل للحلويات ليعيل أسرته بعد أن نفد ما كان يملكه من مال، وحين حاول عرض منزله في بغداد للبيع؛ فوجئ بسيطرة الميليشيات عليه، وجلب عائلة تابعة لعناصر هذه الميليشيات لتسكن فيه.

اللاجئون في لبنان.. معاناة مضاعفة

وبقيت الحرب تلاحق “أبا حسان”، وبقي هو يعاني تداعياتها، فبعد اندلاع الحرب في “سوريا” اضطر إلى التوجه مع عائلته إلى “لبنان”، وعمل هناك في محل للحلويات أيضًا، محاولًا خلق بيئة بديلة عن بلده الذي لم يذق فيه طعم الأمان.

وفي حديثه لـ”وكالة يقين” كشف “أبو حسان” عن معاناته ومعاناة أبنائه الذين اضطروا للعمل والكدح ليؤمنوا مصاريف مدارسهم وجامعاتهم، مستغربًا الوضع الذي وصل إليه العراقيون؛ في وقت يزخر فيه بلدهم بالخيرات والمقومات لجعل شعبه يعيش في رفاهية أكثر.

“شهد العراق موجة ملحوظة من اللجوء، بعد تزايد التهديد وسيطرة الميليشيات على مناطق واسعة من العراق”

كما شكى من غلاء المعيشة في “بيروت”، وحرمانه من الدخول إلى العراق بسبب وجود اسمه في قوائم جاءت من إيران، تستهدف جميع الطيارين الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية، مردفًا بالقول: “العراق أصبح بلدًا للغرباء، ولا حصة لنا فيه أبدا”.

شهد العراق هجرة كبيرة بعد عام ألفين وثلاثة، بعد موجة العنف التي اجتاحت مناطق متفرقة من العراق، فالتهديدات الأمنية التي قامت بها الميليشيات أدت إلى لجوء أعداد كبيرة من العراقيين إلى خارج العراق بحثًا عن الأمن والاستقرار، وهربًا من التهديدات بالقتل والاغتصاب والسرقة والاختطاف.

ولم تحدد أعداد اللاجئين في الخارج بسبب تزايد أعدادهم -بشكل كبير- بين فترة وأخرى، إلا أن الأعوام الأربعة الأخيرة شهدت لجوءًا واضحًا، خصوصًا من المناطق التي شهدت عمليات عسكرية، وتركز اللاجئون العراقيون في “الأردن” و”تركيا” و”لبنان” و”مصر”، كما لجأ البعض منهم إلى الهروب إلى أوروبا عبر البحر، وبطريقة غير شرعية للحصول على حقوق عجزت حكومة العراق بعد 2003 عن تقديمها لمواطنيها.

أعداد اللاجئين في تزايد

حيث شهد العراق موجة ملحوظة من اللجوء، بعد تزايد التهديد وسيطرة الميليشيات على مناطق واسعة من العراق، فلم تقتصر التهديدات على وجود عمليات عسكرية في مناطق غرب العراق؛ بل إن سيطرة الميليشيات وتزايد نفوذها في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب؛ أدى إلى لجوء المواطنين إلى الهجرة للتخلص من المضايقات التي يتعرضون لها في مدنهم.

وهذا ما أكدته “المفوضية العليا السامية لشؤون اللاجئين” التابعة للأمم المتحدة، في حملة لها بعنوان: “حالة الطوارئ في العراق”، تعمل فيها على جمع التبرعات للنازحين في الداخل العراقي واللاجئين في الخارج، قالت: “النزوح الضخم الذي شهده العراق يعود إلى عمليات الإعدام الجماعية، وعمليات الاغتصاب الممنهجة، وأعمال العنف المروعة، وانتهاك حقوق الإنسان وسيادة القانون”.

“تحلم الحكومة العراقية الحالية بعودة النازحين إلى مدنهم من دون أن تُوَفَّر لهم البيئة المناسبة للعودة”

ويؤكد عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق “فاضل الغراوي” في تصريح خصّ به “وكالة يقين”، أن تردي الوضع الاقتصادي وتزايد حالات العنف والاغتصاب، وفلتان السلاح في العراق؛ أدى إلى لجوء فئة الشباب بصورة خاصة إلى الهجرة، وإيجاد فرصة جديدة للحياة، إضافة إلى تردي الواقع الصحي والخدمي والتعليمي في العراق يعد من أسباب الهجرة الرئيسة أيضًا.

ويضيف “الغراوي”، أن “المغريات التي حصلوا عليها خارج بلدهم مقارنة بـالواقع السيئ الذي يعيشونه داخل العراق؛ دفعتهم إلى الهجرة وبشكل كبير، وطالبنا الجهات المعنية بتوفير فرص عمل ودعم الأمن والاستقرار في العراق لتشجيع الشباب على البقاء وتجنب الهجرة”.

وفيما يتعلق بأعداد اللاجئين؛ كشف عضو المفوضية، أن “الفترة الممتدة بين عام 2017 و2018 قدّم فيها 325 ألف شخص أوراق هجرة رسمية، لكنّ هذا الرقم لا يتضمن الأشخاص الذين هاجروا بطرق غير شرعية”، مشيرًا إلى أن “الأشخاص الذين توفوا خلال الهجرة غير الشرعية خلال عامي 2016 و2017 بلغ عددهم 14 شخصًا، مؤكدًا وجود أعداد أكبر من هذه الأعداد تتكتم عليها الجهات الرسمية”.

وتحلم الحكومة العراقية الحالية بعودة النازحين إلى مدنهم من دون أن تُوَفَّر لهم البيئة المناسبة للعودة، وهذا ينطبق أيضًا على الدعوة إلى عودة اللاجئين الذين توجهوا خارج العراق؛ للحفاظ على أمنهم وأمن عائلاتهم، لكن هذه الدعوات لم ترافقها جهود حقيقية بفرض الأمن والاستقرار ومنع الميليشيات من القيام بانتهاكات فاضحة بحق المواطنين.

الكفاءات العراقية في “الأردن” و”مصر”

ولا تزال الحكومة تطالب اللاجئين بالعودة، خصوصًا الكفاءات من الأطباء والأكاديميين الذين هاجروا خارج العراق بسبب التهديدات التي طالتهم، حيث تعرضت أعداد كبيرة من الكفاءات العراقية إلى تهديد بالتصفية الجسدية أو الخطف والابتزاز.

الدكتور “ثامر السعدي” -45 عامًا-، يعمل جرّاحًا في إحدى مستشفيات محافظة “البصرة”، تعرّض لتهديد من قبل ميليشيات كانت تسيطر على المحافظة عام 2007، حيث تم خطف ابنه البالغ من العمر سبع سنوات، وتم ابتزازه بمبلغ مالي اضطر إلى دفعه لإنقاذ حياة ابنه، أُطلِق سراح الابن فقرّر “السعدي” مغادرة العراق والتوجه إلى الأردن؛ للحفاظ على حياة عائلته من بطش الميليشيات.

“لا تزال الحكومة تطالب اللاجئين بالعودة، خصوصًا الكفاءات من الأطباء والأكاديميين الذين هاجروا خارج العراق بسبب التهديدات التي طالتهم”

ويؤكد الطبيب “السعدي” في حديثه لـ”وكالة يقين”، أن قرار هجرته من العراق كان على خلفية خطف ابنه، وتعرضه لتهديدات مستمرة من قبل الميليشيات، حيث تعرض العديد من الأطباء إلى التصفية الجسدية، أو المشاكل العشائرية؛ بسبب موت أحد مرضاهم، أو لغرض الابتزاز المالي، مبينًا أن هذه الممارسات تستهدف كرامة الكفاءات في العراق وتدفعهم إلى الهجرة، وأضاف، “وُجهت لي دعوات من قبل جهات حكومية للمشاركة بمؤتمرات طبية داخل العراق، ورفضتُ ذلك بسبب عدم تغيير الواقع الأمني في البلد، وخوفًا على حياتي من أن أقع فريسة بيد تلك الميليشيات”.

أما الدكتور “محسن العزاوي” لجأ إلى “مصر” هربًا من تصفيته، بعد اقتحام منزله في “حي الجهاد” ببغداد، وسرقة ما بداخله وكتابة عبارات طائفية على الجدران أثناء وجوده مع عائلته في الأردن لقضاء العطلة الصيفية، اتصل جاره به وحذره من العودة، لجأ الدكتور في الكيمياء الحياتية والحاصل على براءة اختراع في مجاله إلى القاهرة، واستقر هناك من دون أن يفكر بالعودة إلى العراق.

حيث تحدث لـ”وكالة يقين” عن واقعه المعيشي في “مصر”، مؤكدًا التحاقه بإحدى الجامعات المصرية للتدريس بمحاضرات، معربًا عن خيبة أمل كبيرة يعيشها جراء الطريقة التي خرج بها من العراق، مستذكرًا الخدمة التي قدمها للعراق طيلة ثلاثين عامًا رغم حصوله على إغراءات بالعيش في أوروبا.

ويضيف “العزاوي” في حديثه قائلًا: “استشهد ابني بصاروخ سقط بجوار ساحة كرة القدم، التي كان يلعب بها مع رفاقه عام 1991، وحاولت تجرّع مرارة فراق ابني، لكن خروجي من العراق بهذه الطريقة المخجلة والمهينة لا أستطيع تجرّعها”.

هكذا المشهد الأمني الدامي الذي تشهده مناطق متفرقة من العراق، ولا وجود لأي جهود حكومية في فرض الأمن والاستقرار، فالميليشيات لا تزال تمارس انتهاكاتها، والحكومة تتغاضى عن هذه الممارسات بسبب الجهات الحكومية التي تدعمها.

مهاجر: أرفض العودة

توجه “أبو وسام” إلى مكتب الأمم المتحدة في “تركيا”، بعد رحلة شاقة من أيمن الموصل، واختار “أبو وسام” “تركيا” لتكون انطلاقة لحياة جديدة له ولأبنائه الثلاثة وزوجته، بعدما عاشوا الموت والقصف العشوائي الذي استهدف مدينتهم، وقدّم أوراقه إلى الأمم المتحدة طلبًا للهجرة خارج الشرق، الذي يعتبره بُرْكة دماء، بحسب تعبيره.

وكان لـ”وكالة يقين” حديث مع “أبي وسام” الذي كان يسكن مدينه “سامسون”، وعمل في إحدى المطاعم بالكاد يمكنه دخله الشهري من دفع الإيجار والفواتير، مما اضطر زوجته للعمل بائعة في إحدى المحال التجارية، واضطر لتعلم اللغة التركية بعد أن تأخرت أوراق هجرته، سنتان ينتظر خلالهما “أبو وسام” الهجرة، لكن من دون جدوى، ويضيف، “أبنائي تأخروا في دراستهم بسبب عدم تكلمهم التركية، وعشت واقعًا اقتصاديًا صعبًا للغاية، هجرتي متعثرة، “سامسون” مدينة جميلة لكنّها باردة جدًا وبعيدة، شعرت أني في المنفى”.

بين تركيا وألمانيا.. رحلة شاقة

“ينتاب الجالية العراقية في الخارج يأسٌ من العودة، حتى كوّنوا لهم مجتمعًا بديلًا خارج بلدهم”

ثم لجأ “أبو وسام” مع عائلته إلى منطقة “أزمير” بعد اتفاقه مع أحد المهربين، حيث استدان مبلغ تهريبه من ابن خاله الذي يعيش في ألمانيا، والتجأ إلى البحر علّه يرى سبيلًا للنجاة بدلًا من الموت جوعًا في “تركيا”، أو الموت على يد ميليشيات منفلتة في بلده العراق، وفي رحلة الموت واجه خلالها “أبو وسام” وعائلته الموت ومصارعة الأمواج في البحر، لحين وصوله إلى “اليونان” التي كتبت له فيها قصة مأساوية جديدة، حيث مشى خلال الغابات لساعات طويلة، لحين الوصول إلى “بلغاريا”، بعدها نقلته باصات إلى “صربيا” و”كرواتيا” و”هنكاريا” مرورًا بـ”النمسا” وصولًا إلى “ألمانيا”.

ويتحدث لـ”وكالة يقين” عن رحلته التي استمرت عشرين يومًا: “عانت عائلتي الأمرّين في هذه الرحلة، شعرت أنني لم استطع الوصول إلى ألمانيا، لكنني لم أفكر بالعودة إلى العراق، رغم ما لاقيته من مصاعب أثناء الطريق”. ويضيف: “أعيش واقعًا اقتصاديًا صعبًا، الحياة هنا غالية، وسبل العمل متعسرة للغاية، لكنّ هذا لا يعني أنني أفكر بالعودة إلى العراق، الحياة هناك أصعب بكثير من حياتي هنا، ألمانيا منحتني الحرية والأمان التي فقدتها في بلدي، وأنا هنا لا أخاف على مستقبل أبنائي”.

وعن البيئة العراقية في ألمانيا يقول “أبو وسام”: “العراقيون هنا كثر، هنا توجد أسواق تحتوي كافة البضائع العراقية، الخبز والخضروات التي نستخدمها في مطبخنا، والبهارات التي نضعها في أكلاتنا، كونّا مجتمعًا وأسواقًا وحياة متكاملة عوضتنا عن فراق مدننا”.

حيث ينتاب الجالية العراقية في الخارج يأسٌ من العودة، حتى كوّنوا لهم مجتمعًا بديلًا خارج بلدهم، فـالأسواق العراقية والخبز العراقي أصبحت متوفرة في بلدان المهجر، ويشير نقل البيئة العراقية إلى دول بديلة إلى استقرار العراقيين في هذه البلدان، وعدم نيتهم للعودة إلى العراق، الذي عاش كل شخص منهم قصة مرعبة داخله.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات