الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » اخفاقات حكومة العبادي »

سهل نينوى.. ميليشيا الحشد تهدد باقتلاع المسيحيين من موطنهم التاريخي

سهل نينوى.. ميليشيا الحشد تهدد باقتلاع المسيحيين من موطنهم التاريخي

قسم التقارير – نينوى

بعيدًا عن الدعوات الإعلامية لإقناع المسيحيين بالعودة إلى منطقة “سهل نينوى”، عقب انتهاء العمليات العسكرية، فإن الواقع على الأرض يشير إلى نزوح ثانٍ من المنطقة يجري نحو مدينة أربيل، وذلك بعد شكاوى من مخطط تغيير ديموغرافي يجري في المنطقة، وسط ترتيبات متسارعة تتمثل ببناء مجمعات سكنية، واستقدام عوائل من الجنوب؛ لغرض إسكانهم في هذه البقعة المعروفة بكونها الموطن التاريخي لمسيحيي العراق.

بعد مضي أكثر من سنة على إعلان القوات المشتركة عن استعادة السيطرة على منطقة “سهل نينوى” في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016؛ فإن الاستجابة لدعوات العودة إلى المنطقة لم تجد استجابة كبيرة كما صورتها الأجهزة الحكومية، في وقت نزحت الكثير من الأُسَر المسيحية إلى مدينة “أربيل” مرة أخرى، بعد مضايقات وتهديدات تعرضوا لها من لواء “الحشد الشبكي” الذي يسيطر على المنطقة.

نزوح جديد

بالرغم من تحمسه للعودة إلى بيته في بلدة “بغديدا” جنوب الموصل، فإن “زيا عزيز” البالغ من العمر 43 عامًا، لم يقضِ أكثر من أسبوع واحد هناك، قبل أن يعود مرة أخرى إلى ناحية “عينكاوا” في “أربيل”؛ خوفًا على عائلته من التهديدات الواسعة، التي يقول: إنها تطال المسيحيين على أيدي عناصر “لواء الشبك” التابع لـ”الحشد الشعبي”، ووصلت إلى حد التحرش بالنساء.

“الواقع على الأرض يشير إلى نزوح ثانٍ من المنطقة يجري نحو مدينة أربيل”

ويبين عزيز لـ”وكالة يقين”، أن حماسته اختفت مع أول سيطرة تابعة لميليشيا الحشد خارج بلدة “بغديدا”، حيث كانت الأسئلة بعيدة عن الغايات الأمنية، وقريبة من التدخل الوقح في شؤون عائلته، حين يتم الاستفسار عن أسماء وأعمار البنات، وحالتهن الاجتماعية ، مضيفًا أن الوضع في الداخل لم يكن أفضل حالًا، حيث انتشرت الوجوه الغريبة، واختفت الخدمات بشكل شبه تام.

وتابع العائد والأب لأربعة بنات، أن الخوف يسيطر على أهالي منطقته، وخصوصًا لدى العوائل التي تمتلك فتيات بالغات، مع تكرار حوادث التحرش التي يتعرضون لها على أيدي عناصر ميليشيا الحشد، لافتًا إلى أنه خرج من البلدة بعد يومين من مغادرة عائلة شقيقه، الذي رجع بدوره إلى “مخيم بحركة” غرب أربيل، مفضلًا أن يعيش مع بناته في أمان داخل خيمة، على أن يبقى في منزله وسط المخاوف المتزايدة والمبررة “على حد قوله”.

الفتيات لا يذهبن إلى المدارس

وفي أحدى الخيام الكبيرة، والتي تُستخدَم مدرسة داخل “مخيم بحركة” في أربيل، فإن “كرستينا نعيم” عادت مؤخرًا إلى زميلاتها بعد فراق قصير، وخيبة أمل ارتسمت على وجهها من إمكانية الرجوع إلى منطقتهم في “برطلة” شرق الموصل، حيث تؤكد أن أباها يخشى عليهم من البقاء في بيتهم القديم، بعد حوادث تهديد واعتداء، تعرض لها مواطنون مسيحيون هناك.

وتشير ابنة العشرة أعوام إلى أنهم أمضوا ثلاثة أيام في منزلهم القديم، قبل أن يتخذ أبوها قراره بعد مشاورة أعمامها، بأن البقاء في المنطقة لم يعد آمنًا، وأن عليهم العودة إلى المخيم في أربيل، مبينةً أن الفتيات في “برطلة” لم يذهبن إلى المدرسة حتى الآن؛ بسبب خوف الأهالي الذين بقي كبار السن “منهم” هناك، فيما أرسلوا بناتهم إلى معارفهم وأقاربهم في أربيل ودهوك.

ولا تعرف “كرستينا” الوقت الذي ستمضيه داخل المخيم، ولكنها تؤكد لـ”وكالة يقين“؛ أن أباها ناقش الأمر مع والدتها، وهم يخططون للذهاب إلى الأردن، حيث يسكن خالها الكبير هناك، وهم على تواصل مستمر معه؛ من أجل السفر إليه ، مبديةً رغبتها بالسفر من هناك إلى بيت خالتها في “السويد” التي رأت صورها في تلفون والدتها، وأعجبها بشكل خاص منزلهم، والمدرسة التي ترتادها ابنة خالتها.

برلماني: اعتداء على النساء في وضح النهار

“الاستجابة لدعوات العودة إلى المنطقة لم تجد استجابة كبيرة كما صورتها الأجهزة الحكومية”

وكان النائب المسيحي “جوزيف صليوا” قد وجه في كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي خطابًا إلى رئيس الوزراء العراقي “حيدر العبادي“، بالتصدي لحالات الاعتداء التي تحصل على النساء المسيحيات في وضح النهار، من قبل عناصر اللواء 30 التابع لميليشيا “الحشد الشبكي”، متهمًا إياهم بالقيام بجرائم بشعة بحقهن.

واتهم “صليوا” في لقاء مُتَلْفَز -تابعته “وكالة يقين”- عناصر ميليشيا الحشد؛ باستغلال مواقعها لتحقيق تغيير ديموغرافي في قضاء “الحمدانية” شرق الموصل، مبينًا أن أبناء “المكون الشبكي” يسعون لبناء منازل بشكل تجاوزات غير قانونية، في أراضٍ تابعة للمؤسسات الحكومية.

ورأى البرلماني المسيحي، أن السماح لهؤلاء بالبناء؛ سيكون مرحلة أولى، ويليها مطالبتهم باستملاك هذه المنازل، وهو ما يحقق التغيير الديموغرافي في هذه المناطق، ويأتي بعدها آخرون ويعملون بالطريقة الحالية نفسها.

مسؤول مسيحي: الحشد يستخدم الطلبة في مخططه

ويتفق مع النائب “صليوا” في هذا الموضوع؛ مدير شؤون المسيحيين في وزارة الأوقاف بحكومة إقليم كردستان “خالد البير”، والذي أكد وجود عملية مستمرة لنقل عوائل من الوسط والجنوب؛ لإسكانهم في منطقة “برطلة” ضمن “سهل نينوى”، وأن هناك مجمعات سكنية يتم بناؤها هناك، وبشكل سريع لهذا الغرض.

واتهم “البير” في اتصال هاتفي مع “وكالة يقين” اللواء 30 التابع لميليشيا “الحشد الشعبي”، بزعامة النائب الشبكي “حنين القدو” بافتعال المشاكل مع المسيحيين، من خلال استخدام ورقة طلبة “جامعة الحمدانية”، مبينًا أن هؤلاء الطلبة القادمين من جنوب العراق، باتوا يتدخلون في جميع شؤون المنطقة المسيحية، وتحت حجج مفتعلة.

وتابع “البير”، أن الطلبة الذين من المُفترَض بهم أن يتفرغوا لشؤونهم الدراسية؛ أصبحوا يفتعلون الأسباب لتنظيم المظاهرات الاحتجاجية ضد المسؤولين المسيحيين، ويطالبون بتغيير القائمقامية، وعدد من المناصب الأخرى، مشددًا على أن هذا الأمر غير عفوي؛ وإنما يتم بشكل مخطط مقصود، ويهدف للتوسع والتغيير داخل المنطقة باستخدام ورقة الطلبة والاحتجاجات.

وبخصوص تحركهم لإيقاف هذه التجاوزات بحق المناطق المسيحية؛ أوضح “البير” أن وفدًا من رجال الدين في “سهل نينوى” ذهبوا إلى بغداد، وتحدثوا -بشكل صريح- مع رئيس الوزراء، وعرضوا عليه المحاولات الجارية لإحداث التغيير في مناطقهم، لافتًا إلى أنهم إلى الآن بانتظار أن تتحرك الحكومة، وتضع الحل المناسب لهذه المشكلة، بناء على الحقائق والمعلومات التي قدمها الوفد.

رجل دين: لا نشجع على العودة

غير أن الأب “هرمز نعوم” لا يعول كثيرًا على التحرك الحكومي لإيقاف الاجتياح الحاصل في مناطق “سهل نينوى”، خصوصًا بعد تسليم ملفها الأمني إلى عناصر ميليشيا “الحشد الشبكي”، وتجاهل الإشكالات المتواجدة، ومنذ فترات طويلة بين المناطق المسيحية والشبكية.

“نزحت الكثير من الأُسَر المسيحية إلى مدينة “أربيل” مرة أخرى، بعد مضايقات وتهديدات تعرضوا لها من لواء الحشد الشبكي”

ويستفسر الأب “نعوم” عن النتيجة التي تنتظرها، حين تضع مقدرات المنطقة المسيحية كلها بين أيدي جماعة، يعتبرون أنفسهم خصومًا تقليديين للمسيحيين، مستغربًا من إضفاء الحكومة عليهم طابع القوات العسكرية الشرعية المتحكمة بمصائر الناس هناك، وتأتي بعدها لتقنع المسيحي بأن يترك أربيل، ويعود إلى منازلهم في “سهل نينوى”، أو حتى يصرف النظر عن فكرة الهجرة الخارجية.

الأب المسيحي الذي عمل في كنيسة بشرق بغداد قبل الاحتلال، وانتقل سنة 2005 إلى بلدة “عينكاوا” في “أربيل“، لا يعتزم تشجيع أي شخص على العودة إلى مناطق “سهل نينوى” في الوقت الحالي؛ لأن الأخبار الواصلة إليه من هناك لا تشجعه على القيام بهذه الخطوة، مستعرضًا في حديثة لـ”وكالة يقين” بعض هذه الأخبار، وهي الاعتداءات المستمرة على حرمات المنازل وأعراض الناس، والعمل المستمر على قضم المناطق المسيحية، عبر الاستيلاء على الأراضي الزراعية والمساحات الحكومية الفارغة.

ولا يستغرب “نعوم” من هذه الاعتداءات؛ بقدر استغرابه من القدرة على قلب الحقائق وتزويرها وتحويل الجاني إلى ضحية، وهو ما يشير إليه في حالة الطلبة الذين قدموا من المحافظات الجنوبية إلى “جامعة الحمدانية”، وأخذوا يتصرفون بشكل مستهجن جدًا مع أهالي المنطقة، ويعتدون حتى على كوادر وحماية الجامعة، لافتًا إلى أن وسائل الإعلام الحكومي وبدلًا من التعاطي بمصداقية مع الحدث؛ فإنها تروج لأكاذيب عن الاعتداء على هؤلاء الطلبة، من قبل المسيحيين، فضلًا عن مطالبة سكان الحمدانية بتقديم الاعتذار إلى الطلبة.

ويعتبر الأب “نعوم” أن الأوقات الحالية هي الأسوأ في تاريخ منطقة “سهل نينوى”، والتي تقع تحت سيطرة الميليشيات، بينما ينتظرها مستقبل أكثر غموضًا وحزنًا، إذا لم يتم التعامل معها وفق الخصوصية السابقة، التي جرت عليها العادة في الحكومات العراقية السابقة.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات