الثلاثاء 21 مايو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أقلام وآراء »

حكومة "عادل عبد المهدي" بين المشروع الإيراني والمواجهة الأمريكية

حكومة “عادل عبد المهدي” بين المشروع الإيراني والمواجهة الأمريكية

بدأت ملامح التطورات الميدانية على الأرض بين واشنطن وطهران تأخذ أبعادا كبيرة وصورا عديدة وأفاقا واسعة بعد القرار الأمريكي الأخير بعدم تمديد فترة الاستثناءات الخاصة بتصدير النفط الإيراني أو التعاملات بين النظام الإيراني وباقي الدول التي استثنيت لمدة ستة أشهر ماضية من العلاقة بينها وبين طهران بخصوص استيراد الطاقة أو التعاملات الاقتصادية ذات الأبعاد المتعلقة بحاجة الدول المستثناة، يأتي قرار الإدارة الأمريكية ليؤكد مديات التوجه الخاص بزيادة العقوبات الاقتصادية على إيران وتفعيل كل الاتجاهات التي من خلالها يتم محاصرة هذا النظام والعمل على إذعانه والطلب منه تنفيذ جميع النقاط والشروط الواردة برسالة وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية بومبيو الذي دعا فيها النظام في إيران بضرورة الالتزام بالنقاط التي أكدتها مرارا واشنطن والمتعلقة بعلاقته مع الأدوات والجهات الإرهابية وإيقاف نشاطاته وتوجهاته حول التدخل بالشؤون الداخلية للدول المجاورة والأقطار العربية وإيقاف أهدافه في التمدد والنفوذ ونشر أفكاره الخاصة بمشروعه السياسي والحد من علاقاته مع الجهات المشبوهة والتي تسعى الى إرباك الأمن والسلم الدوليين وتؤثر على حالة الاستقرار الأمني العالمي في أرجاء المعمورة .

“التوجهات الإيرانية وأهداف النظام الحاكم في طهران واضحة وأنه يعتبر العراق الآن الرئة التي يتنفس منها”

كان القرار الأخير واضحا جليا لا استثناء فيه وعلى الجميع الالتزام حرفيا به من دول وشركات ومؤسسات تجارية ورجال أعمال وإلا فإن الإدارة الأمريكية ستلاحقهم وستعاقبهم وتضعهم ضمن طائلة العقوبات وإيقاف التعاملات التجارية والاقتصادية والمصرفية معهم وتعرضهم للمشاكل والاحداث التي تؤثر على طبيعة علاقتهم مع واشنطن وباقي المصالح الاقتصادية في العالم وأين ما كانوا، أي أن الالتزام واجب العمل به والانتباه الى مخاطر عدم مراعاة طلب الإدارة الأمريكية وعدم المجازفة في المواجهة أو التلاعب بالقرار وإيجاد ذرائع وطرق وأساليب أخرى للابتعاد عن التنفيذ أو المراوغة فيه.

من هنا وجب على حكومة بغداد وهي التي ترتبط بعلاقة وثيقة وصداقة متينة بالنظام الإيراني وسعت الى أن يكون الامتداد والنفوذ الإيراني واسعا في العراق وعلى جميع الأصعدة السياسية منها والأمنية والتجارية بحيث أصبحت أرض العراق واحة ومساحة مشاعة لتحركات النظام الإيراني وأدواته ووكلائه وتدخلاته بما يتلاءم ومصالحه وأهدافه التوسعية وتحقيق سطوته ونفوذه حتى على القرار السياسي في بغداد، وفي الوقت نفسه هناك العامل الدولي المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية التي تراقب بدقة وكثب هذه العلاقة وتعلم جيدا مديات التدخلات الإيرانية وطبيعة العلاقة المتينة التي تربط طهران بأدوات الحكومة في بغداد وتنظر بشكل حذر الى التوسع في العلاقات الإيرانية داخل المجتمع العراقي وفي جميع اتجاهاته وصوره وتعمل جيدا على متابعة هذه الأحداث ولكنها توازن بين مصالحها وأهدافها في العراق وسعيها للمحافظة على أدوات العملية السياسية التي رعتها وأتت بها بعد احتلالها للعراق في 9 نيسان 2003 لذلك فهي تسعى الى إعطاء إشارات ورسائل لحكومة بغداد للحد من هذه التدخلات أو الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران من قبل بغداد مع علم الإدارة الأمريكية ومؤسساتها أن الهيمنة  الإيرانية لديها القدرة على التحكم بمقاليد الكثير من الأمور والاتجاهات في العراق ومنها السياسية والأمنية وحتى الاقتصادية التي وضحت معالمها من خلال زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني الأخيرة لبغداد وتوقيعه (15) اتفاقية اقتصادية وتجارية ورفع حجم التبادل التجاري بين طهران وبغداد الى (20) مليار دولار.

“يأتي القرار الأمريكي ليكون العراق هو إحدى الدول المشمولة بعدم تمديد الاستثناء الخاص باستيراد الغاز المسيل الإيراني”

التوجهات الإيرانية وأهداف النظام الحاكم في طهران واضحة وأنه يعتبر العراق الآن الرئة التي يتنفس منها بعد اشتداد العقوبات الاقتصادية عليه والقرار الأخير باعتبار الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية وتجميد جميع تعاملاته وعلاقاته خارج إيران ومنها الاستثمارات الاقتصادية والواجهات والشركات التجارية والمعاملات المالية التي يقوم بها قادة ومسؤولو الحرس الثوري عبر العديد من الوسطاء والقنوات الاقتصادية والتي تشكل 33% من واردات المال والعملة الصعبة لإيران وتسيطر على 70% من التعاملات التجارية الخاصة بالنظام الإيراني.

أمام هذه المعطيات يأتي القرار الأمريكي ليكون العراق هو إحدى الدول المشمولة بعدم تمديد الاستثناء الخاص باستيراد الغاز المسيل الإيراني والذي يشغل العديد من المحطات الكهربائية في وسط وجنوب العراق وعدم استيراد الطاقة الكهربائية من طهران ضمن اتفاقيات تجارية معقودة بين الطرفين تدفع بموجبها حكومة بغداد (7) مليار دولار سنويا كعملة صعبة تدخل المؤسسات المالية وتؤثر في الاقتصاد الإيراني وتقلل جزءا من تأثير العقوبات المفروضة على طهران، وأعطيت حكومة بغداد مهلة استثنائية امتدت لستة أشهر ماضية لإيجاد البدائل  عن استيراد الغاز الإيراني تزامنت معها عقد العديد من الاتفاقات الاقتصادية والتجارية وتبادل المصالح والانفتاح عبر تنشيط العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين العراق والمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات وقطر وتمكنت من تحقيق العديد من أفاق التعاون ورسم ملامح العلاقات المستقبلية بين هذه الأقطار وحكومة بغداد وأصبح المسار الذي تسعى اليه هذه الأقطار العربية هي تمتين العلاقات التجارية والاقتصادية وتفعيلها لتكون واجهة وبداية للولوج الى كيفية التعامل مع المشهد السياسي العراقي بعد الهيمنة والنفوذ وتعاظم الوجود الإيراني في العراق.

“المحرك الأساسي في عدم عودة أهالي ناحية جرف الصخر هو التواجد المليشياوي المسلح لحزب الله”

جاءت التطورات الأخيرة في الإعلان الأمريكي الذي أرسل رسالة واضحة ودقيقة على لسان المسؤول السياسي في السفارة الأمريكية ببغداد (جودي هود) في الحوار الإعلامي الذي أجراه عبر قناة دجلة العراقية وأشار فيه الى أن عدم التزام الحكومة في بغداد بالعقوبات المفروضة على، إيران ستتولد عنه قرارات سياسية ضد بغداد ونبه الى ضرورة مراعاة العلاقة مع إيران من قبل المسؤولين العراقيين خاصة وأن التعاملات التجارية والمالية لإيران في الأسواق التجارية والتعاملات الاقتصادية والمصالح المالية أصبحت تسيطر على 20% من السوق العراقية، والأهم في حديثه هو إشارته الى التحكم الإيراني ببعض مسارات الحياة في العراق وفي مدنه ومحافظاته عبر الأدوات والوكلاء والجهات المدعومة من قبل الأجهزة الأمنية والاستخبارية والحرس الثوري الإيراني وبالإشارة الى الوضع الحالي والميداني الذي تعيشه ناحية جرف الصخر التابعة لمحافظة بابل وعدم السماح لعودة سكان هذه الناحية الى دورهم ومحلاتهم التجارية ومزارعهم ومزاولة حياتهم الطبيعية ولا يزالون قابعين في معسكرات للنازحين أعدت لهم في مناطق عديدة منها قضاء الفلوجة التابع لمحافظة الأنبار وأن المحرك الأساسي في عدم عودة أهالي ناحية جرف الصخر هو التواجد المليشياوي المسلح لحزب الله والتي أشار اليها المسؤول السياسي في السفارة الأمريكية ببغداد، هذا التصعيد في الخطاب والتوجه الأمريكي  وداخل بغداد تجاه التوجهات والأهداف الإيرانية وتعامل الجهات الاستخبارية مع العديد من الفصائل والمليشيات المسلحة والتي اعتبرتها الإدارة الأمريكية منظمات إرهابية يسترعي من حكومة بغداد العمل باتجاه إيجاد أليات صحيحة وأدوات دقيقة في كيفية الحفاظ على أمن وسلامة البلاد بعيدا عن المصالح والتبعية السياسية التي تربطها بالنظام الإيراني وكونها أسيرة للأهداف والمشروع الإيراني في العراق وتعمل جاهدة لتوثيق هذه العلاقة من خلال الالتزام والتنفيذ والاستماع الى توجهات المسؤولين الإيرانيين عبر الزيارات التي تمت وأخرها اللقاء الذي أجراه عادل عبد المهدي رئيس الوزراء مع علي خامنئي في طهران.

المصدر:جريدة البصائر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن وكالة يقين
تعليقات